تمسّكت إيران أمس بموقفها الصارم تجاه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي، خصوصًا إثر تحذيره الأحد من أن إيران قد تتمكّن من الاستمرار في تخصيب اليورانيوم في غضون بضعة أشهر، بحيث اعتبر المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنّ «تصريحات غروسي تُعدّ نوعًا من التبرير للاعتداءات على إيران»، مشيرًا إلى أن «قانون تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مُلزِم للحكومة، ويجب على الوكالة ومديرها العام إعادة النظر في نهجهما»، كما أوضح أنه ليس هناك أي موعد لعقد محادثات جديدة مع أميركا أو الأوروبيين، فيما استمرّت جهود المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في رفع معنويات أركان نظامه، إذ قال إنه «مَن يتوقع أن تستسلم إيران مخطئ»، معتبرًا أن «إيران بلد قويّ وثروته الثقافية والحضارية تزيد مئات المرّات عن أميركا وأمثالها».
توازيًا، دعت فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إيران إلى الامتناع عن أيّ إجراء يؤدي إلى قطع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطالبتها باستئناف التعاون الكامل معها فورًا، وفقًا للالتزامات القانونية الملزمة. كما شدّدت على ضرورة أن تتّخذ طهران كافة التدابير اللازمة لضمان أمن موظفي الوكالة الذرية وسلامتهم، مندّدة بالتهديدات التي تلقّاها غروسي.
في السياق، ذكرت وكالة «إرنا» أمس أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تحدّث خلال اتصال هاتفيّ مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الأحد عن أن «المعايير المزدوجة» التي تتبعها الوكالة الذرية أثارت مشكلات كثيرة للأمن في المنطقة والعالم، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن تتقيّد الوكالة بحقوق الدول وتتحاشى السلوكيات المزدوجة في سبيل الدفاع عن حق الدول الأعضاء وحقوقها. وتساءل ما هي الضمانات لعدم تعرّض منشآتنا النووية لهجمات مرّة أخرى، مؤكّدًا «السياسة المبدئية» لبلاده القاضية بتجنّب أيّ حرب وتدهور أمنيّ وتسوية القضايا بالطرق الدبلوماسية والحوار، في وقت جزم فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه «لا أقدّم أيّ عروض لإيران»، موضحًا أنه «على عكس أوباما، الذي منحهم مليارات الدولارات ضمن الاتفاق النووي الفاشل، لم أتحدّث معهم إطلاقًا منذ تدميرنا منشآتهم النووية».
إلى ذلك، كشف المتحدّث باسم السلطة القضائية الإيرانية أصغر جهانكير أن 935 شخصًا قتلوا في البلاد خلال الحرب مع إسرائيل، بمَن فيهم 38 طفلًا و 132 امرأة. وينطوي ذلك على زيادة حادّة عن قراءة سابقة أعلنتها الصحة الإيرانية كانت تشير إلى مقتل 610 أشخاص في إيران قبل بدء سريان وقف النار الأسبوع الماضي. وعدّل جهانكير عدد القتلى من جرّاء الغارة الإسرائيلية على سجن إيفين في طهران من 71 إلى 79 شخصًا، في حين اعتبر بقائي أن «العمل العدواني الإسرائيلي أدّى إلى العديد من جرائم الحرب»، مشيرًا إلى أن إيران ستنقل الأدلّة إلى المنظمات الدولية التي قال إنه يتعيّن عليها محاسبة إسرائيل. وأكّد أنه «من الواضح للجميع أنه تسبّبت هجمات إسرائيل، وكذلك العدوان الأميركي على منشآتنا النووية... في أضرار كبيرة لهذه المنشآت».
بالتزامن، أكّد مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي أن إيران تُصرّ على تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية داخل حدودها الوطنية، مشدّدًا على «ضرورة وقف أي خطط عدوانية ضدّ إيران إذا كانت أميركا تسعى فعلًا إلى استئناف المفاوضات الدبلوماسية». وحذّر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني أحمد بخشايش أردستاني من أنّ عدم التفاوض مع واشنطن قد يؤدّي إلى تصعيد عسكري خطر. ولفت نائب رئيس البرلمان الإيراني السابق علي مطهري إلى أن «روسيا منحت منظومة الدفاع الجوي «أس 400» لتركيا والسعودية، لكنها ترفض تزويد الجمهورية الإسلامية بها، رغم دعمها بالطائرات المسيّرة في حرب أوكرانيا، لأنّ المنظومة قد تُستخدم ضدّ إسرائيل»، مشيرًا بسخرية إلى أنّ «هذا هو شكل التعاون الاستراتيجي الذي يتحدّث عنه بوتين مع إيران». ورغم سريان وقف النار، سجّل المؤشر العام للبورصة الإيرانية خلال الأيام الثلاثة الماضية انخفاضًا بمقدار 196 ألف وحدة، كما تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة مجدّدًا حاجز 90 ألف تومان، وشهدت أسعار الذهب والعملات المعدنية ارتفاعًا ملحوظًا.
في الغضون، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلًا عن مصادر مطّلعة تفاصيل «عملية نارنيا» التي استهدفت إسرائيل عبرها منازل كبار العلماء الإيرانيين العاملين على البرنامج النووي في طهران خلال الضربة الافتتاحية من الحرب، ما أسفر عن مقتل تسعة منهم على الأقلّ حينها، مشيرة إلى أن الاغتيالات نفّذت بشكل متزامن لمنع العلماء من الفرار أو الاختباء. وذكرت الصحيفة أن العملية تمثل تتويجًا لـ 15 عامًا من الجهود الإسرائيلية لاغتيال شبكة العلماء الذين عملوا على برنامج إيران السرّي للأسلحة النووية حتى عام 2003. وأكّد المدير السابق للأمن القومي الأميركي لمكافحة الانتشار إريك بروير أن فقدان هذه الخبرات خلال مرحلة تطوير القنبلة له تأثير أكبر من فقدانها تدريجيًا مع مرور الوقت.