الياس دمّر

في أنجح الأفلام الجماهيريّة هذه السّنة

براد بيت يُطارد السّرعة ببريقٍ كلاسيكي في "F1: The Movie"

4 دقائق للقراءة

في زمنٍ تدفع فيه الصّور السّريعة بالأدرينالين أكثر من رياضة السيّارات نفسها، يأتي فيلم "F1: The Movie" كمحاولة طموحة لتحويل رياضة "الفورمولا وان" إلى ملحمة سينمائيّة بصريّة، تقف في منتصف الطريق بين الواقعيّة الرياضيّة والتّشويق الهوليوودي.


تحت إدارة الكاتب والمخرج الأميركي Joseph Kosinski، صاحب النّجاح القياسي في "Top Gun: Maverick"، يدخل الجمهور عالم السّباقات من مقعد السّائق مباشرةً. وبينما تتسارع اللقطات ومعها خفقات القلوب، يُظهر الفيلم الأبعاد الأخلاقيّة والخطورة الحقيقيّة لمهنة سائقي الرّياضة الأسرع والأخطر.


حبكة مُتجدّدة بمقودٍ مألوف

يحكي الفيلم قصة Sonny Hayes (يؤدّي دوره Brad Pitt)، سائق "فورمولا" سابق يُستدعى من التّقاعد لإنقاذ فريق صغير يُدعى "APXGP"، وللمساهمة في تدريب السّائق الصّاعد Joshua Pearce (يقوم بدوره Damson Idris). تتطوّر العلاقة بين الثنائي على خلفيّة تنافسٍ حاد مع الفرق الكبرى، تتخلّلها أزمات تقنيّة، ضغوط إعلاميّة ومشاعر مكبوتة. ورغم بساطة الفرضيّة وتتبُّع الحبكة مسارًا تقليديًا معتمدًا في أفلام الرياضة، بدءًا بالمُحارب العائد إلى التّلميذ المُتحمّس وصولاً إلى المواجهة المصيرّية، لا يفشل الفيلم في بث روح سرديّة مُتجدّدة.


إخراج يحبس الأنفاس

إذا كان من تفوّق حقيقي في الفيلم، فهو للإخراج والتّصوير. يتعامل كوزينسكي مع الكاميرا بوصفها جزءًا من السيّارة، يدخل بها إلى الزوايا الحادّة ويصنع من كل سباق تجربة حسّية تنبض بالواقعيّة، مُستعينًا بصورٍ حيّة من حلباتٍ حقيقية مثل "سيلفرستون" و "موناكو" و "سبا فرانكورشان". كما استخدم تقنيّة تصوير حديثة تمّ تعريفها باسم "Carmen"، بعد أن طوّرها مدير التّصوير التشيلي Claudio Miranda خصّيصًا لهذا الفيلم بالتّعاون مع شركة "Sony"، عبر تثبيت كاميرات خفيفة الوزن داخل السيّارات. والتقط ميرندا لقطاتٍ مُدهشة، خصوصًا في المشاهد اللّيلية أو تحت الأمطار، حيث يتحوّل التوتّر إلى لغة بصريّة بحتة. فالفيلم لا يكتفي بعرض السباقات، بل يجعل منها لحظاتٍ وجدانيّة، مُشبعة بالحركة والإضاءة وهدير المحرّكات.


أداء متماسك في إطار محدود

يقدّم النّجم براد بيت أداءً ساحرًا بطبيعته، إذ يمتلك حضورًا داخليًا من دون مبالغة. وشخصيّة سوني لا تُجهد نفسها دراميًا، بل تحتفظ بجاذبيّتها من خلال صمتها المُعبّر وتفاعلها الصّادق مع العالم من حولها. في المُقابل، يلمع دامسون إدريس في دور السائق الصّاعد، لكنّ سيناريو الفيلم لا يمنحه فرصةً كافية لتطوير الشّخصية. كذلك تظهر Kerry Condon بدور مُهندسة الفريق، في شخصية ذكيّة وقويّة، لكنها تظلّ محدودة في هامشها السردي. أمّا Javier Bardem، فيُضيف بعض العمق والرّوح بخفّة ظلّه المعُتادة، خصوصًا في لحظاته التي تجمع بين اليأس والتمرُّد.


الموسيقى "أدرينالين" للأذن

الموسيقيّ العالمي Hans Zimmer قدّم مقطوعات تتنفّس إيقاع السّباق، وتُفعّل المَشاهد بشكلٍ مذهلٍ. يمزج زيمر بين الإيقاعات الإلكترونيّة والتوتّر الأوركسترالي، ليمنح كلّ سباق طابعه الخاص. وفي بعض المشاهد، تختفي المؤثّرات الصوتيّة الواقعيّة (كصوت المُحرّكات أو الجماهير)، ليعلو صوت الموسيقى فقط! هنا، يلعب المؤلّف الموسيقي دور الرّاوي، إذ يضعنا داخل رأس السّائق، حيث تختفي الضّوضاء ولا يبقى سوى التّركيز والنّبض... خاصّةً في مشهد ختام السّباق الأخير الذي يرفعنا من أرض الحلبة إلى سمائها.


بين الدقّة والدّراما

نجح فيلم "F1: The Movie"، إلى حدّ كبير، في تقديم صورة دقيقة لتفاصيل "الفورمولا وان"، من الـ "pit stop" إلى أوامر الفريق والتّكتيك في الحلبة. وظهر عدد من السائقين الحقيقيين مثل Lewis Hamilton و Max Verstappen، ما أضاف للفيلم مصداقيّة لافتة. لكن في المقابل، اتُّهِم الفيلم بـتجميل الواقع وتضخيم المَشاهد الدراميّة (مثل اصطدامات غير منطقيّة أو تجاوزات لا تُحاسَب)، حيث انزعج بعض عشّاق هذه الرّياضة ممَّن يبحثون عن واقعيّة لا تخضع لها قواعد السينما. ولهؤلاء أذكّر بعشرات الأفلام والمُسلسلات الوثائقيّة المُتوفّرة على العديد من المنصّات أوّلها "نتفليكس"، والتي تبحث لساعات في نقل الواقع الرّياضي "للفورمولا" وان بأصغر وأدق تفاصيله.


فيلم "F1" هو احتفال سينمائي بالصّورة والصّوت والسّرعة، تحفة تقنيّة تقف في مقدّمة أفلام الرّياضة الحديثة، لذا يستحق الفيلم المُشاهدة في أكبر وأحدث صالات السّينما القريبة منكم.