في الفيلم الوثائقي "ثالث الرحابنة"، تُقدّم مخرجته فيروز سرحال قراءة حميمة وإنسانيّة لمسيرة الموسيقار المُبدع الياس الرحباني (1938 - 2021)، ذلك الصّوت المُختلف داخل العائلة الفنيّة الأشهر في تاريخ الموسيقى اللبنانية.
في ثمانين دقيقة، نتابع سردًا يتقاطع فيه التّوثيق مع العاطفة، والذاكرة مع الأرشيف، ليرسم العمل صورة رجل لم يكن مجرّد شقيق ثالث لعاصي ومنصور، بل كان صوتًا فريدًا تمرّد على النّمط الرّحباني الكلاسيكي مبتكرًا موسيقاه الخاصة.
اختيار الفيلم، منذ عنوانه، وضع الياس في موقع الثّالث لا من باب التّراتبيّة، بل من باب الاختلاف. فبينما بنى الأخوان عاصي ومنصور مشروعًا غنائيًّا متماسكًا مع فيروز، خاض الياس مُغامرات موسيقيّة أكثر تنوُّعًا. وضع موسيقى تصويريّة للسينما، كتب إعلانات، لحّن لأسماء جماهيريّة مثل صباح وماجدة الرومي، حتى أنه خاض غمار التأليف الموسيقيّ الغربي المُعاصر.
يوظّف الفيلم هذه الاختلافات ليرسم ملامح شخصيّة المُغامر الموسيقي، عبر شهادات مُقرّبين منه، أبرزهم نجلاه جاد وغسّان الرّحباني، ومُقتطفات أرشيفيّة من مُقابلات نادرة له، تتخلّلها صوره مع السيّدة فيروز والأخوين الرحباني، وبعض التّسجيلات المُصوّرة التي تعكس حرارة الحضور وحسّ الدعابة الذكي الذي اتّسَم به.
لغة بصريّة مُحافظة لكن صادقة
اختارت فيروز سرحال أسلوبًا بصريًّا هادئًا ومُحافظًا. لقطات ثابتة، مقابلات مباشرة، استخدام غني للأرشيف. هذا النّمط التقليدي يخدم الطابع التّوثيقي للفيلم، لكنَّه أحيانًا يُفقده بُعدًا سينمائيًّا أعمق، حيث يغيب التّجريب البصري أو السّرد الرّمزي الذي قد يمنح العمل طبقة إضافية من القراءة. أمّا الموسيقى، التي تشكّل العمود الفقري للفيلم، فاستُخدمت بذكاء كعُنصرٍ سمعي يسرد ويوازي الشّهادات، من دون أن تطغى.
شهادات القلب
أبرز ما يُميّز فيلم "ثالث الرّحابنة" حضوره الإنساني، لا سيّما عبر شهادة الشّاعر هنري زغيب، الذي بدا راويًا مُطّلعًا وقادرًا على إعادة تشكيل الملامح العائليّة والفنيّة لصديقه. كذلك تُبرز بعض الشهادات، كتلك التي قدّمها الصّحافي والباحث محمود زيباوي، أبعادًا نقدية مُهمّة حول إسهام الياس الرحباني في الثّقافة الشعبية، لا سيّما في التلفزيون والموسيقى التّجارية. ومع ذلك، تُسجَّل مُلاحظة على غياب بعض الأصوات المؤثّرة، خصوصاً السيّدة فيروز وابنها زياد الرّحباني، اللذَين وإن غابا لأسبابٍ مفهومة، إلا أنّ وجودهما كان يمكن أن يُضفي بُعدًا إضافيًّا على العلاقة الفنية والعائلية المُعقّدة بين أطراف العائلة الرحبانيّة.
إعادة الاعتبار لصوتٍ مُنفرد
"ثالث الرّحابنة" ليس مُجرّد وثائقي عن فنّان، بل هو مُحاولة لإعادة الاعتبار إلى شخصيّة بقيت لسنوات في الظل. لقد ساهم الياس الرحباني في تشكيل المزاج الموسيقي للشّارع العربي من دون أن يحظى بنفس القدر من الرمزية أو الهالة التي حظي بها شقيقاه. ومن هنا، تكتسب رؤية سرحال أهميّتها، فهي تُسلّط الضوء على قيمة الأصوات المُختلفة، في كونها جزءاً لا يتجزأ من صناعة الذائقة الفنيّة.
إنه فيلم موجّه إلى القلب، وإنجازه في زمن تغيب فيه مثل هذه المبادرات يوحي بضرورة إعادة التّفكير في أرشفة وتوثيق تاريخنا الثّقافي الموسيقي، لا بوصفه ماضيًا، بل كحياة مستمرّة نُعيد كتابتها مرارًا.
تنطلق عروض "ثالث الرّحابنة" ابتداءً من 7 تمّوز في "سينما متروبوليس" - مار مخايل، بيروت، وتُعقد جلسة حواريّة خاصّة (Q&A) مع الفنّان غسّان الرّحباني بعد عرض الفيلم مساء 17 تمّوز.