في طرابلس، المدينة الشمالية التي تضج بالحياة، لا يمكن للمارّ في شوارعها وأسواقها القديمة أن يغفل مشهد المقاهي العامرة بروّادها من كبار السن. هناك، حيث تختلط رائحة القهوة بعبق التبغ وصدى الأحاديث المتكررة، تتحول الطاولات الخشبية إلى منابر يومية يعتليها هؤلاء الرجال، يراقبون المارة ويمضون ساعات طوالًا في نقاشات لا تنتهي. قد يراها البعض ثقافة متجذرة في وجدان المدينة، وقد يعتبرها آخرون وقتًا مهدورًا يعبّر عن انسداد الأفق لدى جيل لم يجد بديلاً عن المقاهي سلوى ومتنفسًا.
إرث اجتماعي وثقافي
المقاهي الطرابلسية ليست مجرّد أماكن للجلوس وشرب القهوة. إنها امتداد لذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود. ففي الماضي، كانت المقاهي ساحات يجتمع فيها الوجهاء والتجار لتداول الأخبار وتنسيق المواقف الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى ملاذ للفئات الشعبية وكبار السن الباحثين عن المؤانسة والتسلية. بعض هذه المقاهي تجاوز عمره السبعين عامًا، ويحمل في جدرانه صورًا وذكريات لأجيال تعاقبت على طاولاته.
تحتفظ هذه الأماكن بخصوصيتها في طرابلس، فلا يزال روّادها يمارسون الطقوس اليومية ذاتها: يأتون باكرًا حاملين الصحف القديمة، يجلسون في الزوايا الثابتة، يتبادلون التحيات والنكات والشكوى من تراجع الأحوال. إنها طقوس تكاد تكون مقدسة، تمنحهم شعورًا بأنهم ما زالوا جزءًا من المشهد العام رغم كل شيء. يتوقون لخبر جديد أو لمناقشة فكرة ما، يجلسون سويةً مع صحبهم إلى طاولات معينة حُجزت بأسمائهم لأنهم كانوا رفاق تلك الطاولة منذ ما لايقل عن عشرين عامًا.
عزلة مقنّعة
لكن وراء هذا المشهد الرومانسي، ثمّة وجه آخر. فكثير من كبار السن الذين يقضون معظم يومهم في المقاهي يعيشون عزلة اجتماعية حقيقية، فرضتها ظروف اقتصادية أو تفتت الروابط العائلية. يجد بعضهم في هذه الجلسات وسيلة للهروب من الوحدة التي تلاحقهم في بيوتهم. تراهم منذ ساعات الصباح الباكر حاضرين قبل الشباب في المقهى، ومع غياب برامج الرعاية الاجتماعية والنوادي المخصصة للمسنين، تصبح المقاهي الخيار الوحيد، وإن لم يكن بالضرورة الأفضل.
يقول أحد الروّاد وهو رجل سبعيني:"ما عندي شي بالبيت... أولادي مشغولين بحالهم، هون بلاقي حدا يحكي معي".
هكذا تتحول الطاولة الصغيرة إلى نافذة تطل على عالم يضع كبار السن على قائمة انتظار المجهول، فتسكنهم الحيرة بين الحنين إلى الماضي والقلق على المستقبل.
تراجع الدور الإيجابي
كانت المقاهي قديمًا مساحة لتبادل المعارف والثقافة الشعبية، من قصص التاريخ المحلي إلى الشعر والزجل، وحتى النقاشات الفكرية. اليوم، تراجع هذا الدور إلى حد كبير، وصار معظم الوقت يُهدر في جدالات سياسية متكررة أو في لعب الورق والنرد.
في مدينة تعاني من بطالة مرتفعة وتحديات تنموية، لا يجد المسنون من يحتضن خبراتهم أو يستثمر طاقاتهم. فلا جمعيات متخصصة تستوعبهم، ولا مبادرات حقيقية لإشراكهم في أنشطة منتجة أو تثقيفية. وهكذا، تنحصر حياتهم في دائرة يومية رتيبة تجعل الوقت يمضي بلا جدوى.
بين ثقافة التلاقي وواقع الوقت الضائع، يقف كبار السن في مقاهي طرابلس شاهدين على تحوّلات مدينة بأكملها. قد يجدون في هذه الأمكنة عزاءً من وحدة صامتة، لكنها في كثير من الأحيان لا تكفي لمنحهم تقديرًا يليق بعمرهم وتجاربهم.
