تأخذ جزيرة تايوان مخاطر احتمال تعرّضها لغزو شامل أو حصار خانق من قِبل الصين على محمل الجدّ أكثر من أي وقت مضى. فالتنين الشيوعي الأصفر المُعادي لـ "الجزيرة الحرّة"، يضع يده على الزناد في انتظار "ساعة الصفر" للانقضاض على "نجمته" التي يدّعي ملكيّتها ويتحيّن الظروف المناسبة والفرصة الدولية المؤاتية لضمّها. تُدرك تايبيه دقة وصعوبة وضعيّتها الجيوسياسية في ظلّ الاضطراب الحاصل في النظام الدولي، الأمر الذي يجعلها تعدّ العدّة جيّدًا لمقاومة أي قرار صيني لسحق سيادتها ومحو هويّتها واخضاعها لإرادة البرّ الصيني الرئيسي بالقوّة.
لهذا، تُنظّم الجزيرة الديمقراطية ذات التضاريس الجبليّة، مناورات "هان كوانغ" العسكرية الضخمة، التي تنطلق منتصف الأسبوع المقبل بمشاركة أكثر من 22 ألفًا من جنود الاحتياط وتستمرّ لمدّة 10 أيّام، تحاكي فيها حصارًا وغزوًا صينيًا قد يحصل في أي لحظة، وسط ضغوط عسكرية جوّية وبحريّة مكثفة من بكين، قد تسعّرها الأخيرة بسبب المناورات وتتخذ إجراءات تصعيدية وتحرّكات انتقامية، فيما تستقي تايوان دروسًا من أوكرانيا وإسرائيل للتعامل مع سيناريو التعرّض لغزو وهجمات جوّية هائلة بالمقاتلات والطائرات المسيّرة والصواريخ، لحماية مواطنيها وردع العدوان بكفاءة عالية وأقلّ قدر ممكن من الخسائر.
يرتفع منسوب التوتر على ضفتي مضيق تايوان أخيرًا بشكل دراماتيكي. فلقد دشّن الرئيس التايواني لاي تشينغ تي "جولة خطابات" في 22 حزيران الماضي، تتضمّن إلقاء 10 خطابات قبل تصويت مرتقب في 26 من الحالي على عزل أكثر من 20 نائبًا من حزب "الكومينتانغ" المعارض، الذي ينظر إليه الاستقلاليون في الجزيرة على أنه يدور في فلك السلطات الشيوعية في بكين. وأثار لاي غضب الصين في مستهلّ جولته في "تايبيه الجديدة" الشهر الفائت عندما حسم أن تايوان "دولة"، لتردّ عليه بكين بأن "مغالطاته ستُرمى في مزبلة التاريخ"، متوعّدة بأن جيشها سيُعزز بحزم جاهزيّته للقتال، كما حذّرت من أن لاي يدفع تايوان إلى "وضع خطر من الحرب".
تشير "الحرب الكلامية" المتصاعدة بين تايبيه وبكين إلى عمق الهوّة الفكرية بين النظامَين والتضارب الهائل في المصالح وقراءة التاريخ واستشراف المستقبل. ففي نهاية المطاف، ليس هناك من حلّ وسط بين نظام الحزب الواحد الذي يريد ضمّ تايوان وفرض نفوذه في البحرَين الصينيَّيْن الشرقي والجنوبي للانفلاش استراتيجيًّا في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وبين نظام ديمقراطي يطمح شعبه إلى تقرير مصيره والعيش بحرّية وسلام. يتخوّف الخبراء من أن تسرّع جولة لاي الوطنية وعزل المعارضين الموالين لبكين في تايوان، الجهود والخطط الصينية لمحاولة احتلال الجزيرة أو فرض حصار مطبق عليها تمهيدًا لقضمها ببطء، معتبرين أن قادة بكين لن يتساهلوا إطلاقًا مع إحكام الاستقلاليين قبضتهم أكثر على مفاصل الحكم في تايوان.
يواجه لاي، المُقيّد اليدين في البرلمان، معضلة المعارضين الذين يسعون إلى إصلاح العلاقات عبر مضيق تايوان لتعزيز فرص السلام، وصولًا حتى إلى تحقيق اندماج سلمي مع الصين، كما يبغي أشدّ المتمسّكين بالوحدة العابرة للمضيق. يجهد لاي لتحفيز قاعدته الشعبية الاستقلالية، فضلًا عن المستقلّين، في محاولة لاستعادة السيطرة على البرلمان، حال نجاح حملات سحب الثقة في الحصول على دعم كافٍ، ما يُعبّد الطريق أمام انتخابات فرعية. يتوقّع الخبراء أن تعمّق جولة لاي والعزل المتوقع لنواب معارضين، الشرخ الداخلي، الجسيم أصلًا، في مثل هذه الظروف البالغة الحساسية مع توالي "الاستعراضات" الصينية، الجوّية والبحرية، التي تتعمّد تحطيم الأرقام القياسية حول تايوان، بينما يقابلها إصرار غربي على عبور دوري للسفن الحربية، خصوصًا الأميركية، للمضيق.
تفضّل غالبية التايوانيين تهدئة الأوضاع مع الصين والحفاظ على الستاتيكو الحالي، إذ صحيح أنها ترفض أن تصبح جزءًا من "الإمبراطورية الصينية"، بيد أنها تعتبر أن رفع سقف التحدّي في وجه خصم عملاق كالصين لن يجلب على الجزيرة سوى الويلات. لكنّ الاستقلاليين يرون أن المواجهة ستأتي عاجلًا أم آجلًا، ومن واجبهم تهيئة الأجواء وتحضير المجتمع لمجابهة أسوأ السيناريوات. تحاكي المناورات المنتظرة التصدّي لإنزال بحري للجيش الصيني، بالتوازي مع تنفيذ ضربات دقيقة من البحر والجو ضدّ العدوّ، إضافة إلى إصدار إنذارات صاروخية وتعليمات بالإخلاء لتدريب التايوانيين على الاحتماء في الملاجئ أو خارجها وقت الحرب. ترفع القوات التايوانية من جهوزيّتها ومستوى استعدادها القتالي وتلجأ السلطات إلى تكوين "مجتمع حرب" لكي لا تغدو البلاد "لقمة سائغة" متى دقّت ساعة الاختبار الأصعب.