تواجه جماعة "الإخوان المسلمين" واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، أزمة تتجاوز صراع النفوذ، لتهزّ الأسس التنظيمية والرمزية للجماعة ككيان عابر للحدود. في صلب هذا الانقسام، يبرز فرع سوريا بوصفه رأس حربة تمرّد غير معلن، يسعى إلى فك الارتباط مع التنظيم الدولي والتحرّك وفق خصوصيات المشهد السوري.
ورغم أن العلاقة بين "إخوان سوريا" والحكومة السورية لا تزال محكومة بتوتر صامت وخالٍ من أي تنسيق، فإن الانقسام الأخطر يكمن داخل الجماعة نفسها، إذ يتصاعد الخلاف بين القيادة السورية، التي تطالب بهامش أوسع من الاستقلال، وبين التنظيم الدولي في لندن، المتمسّك بهيكلية مركزية يعتبرها ضرورية لوحدة التنظيم وفاعليته.
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت الأزمة داخل الجماعة إلى ذروتها، مع مطالبة قيادة فرع دمشق بإعادة توزيع الصلاحيات والموارد، في مقابل تمسّك القيادة الخارجية بإبقاء القرار مركزيًا من دون أي تنازل. وقد اتسع نطاق الخلاف ليشمل قضايا التمويل والخطاب الإعلامي وتوجهات العمل السياسي، وسط مؤشرات إلى أن الانقسام قد يمتدّ إلى فروع أخرى، وفي مقدّمتها فرع الأردن، حيث بدأت ملامح أزمة مشابهة بالظهور، ولا سيّما بعد قرار السلطات الأردنية حظر نشاط الجماعة وتجريم الانتساب إليها.
التمويل كسلاح سياسي
بحسب مصادر سورية مطّلعة تحدّثت إلى "نداء الوطن"، تعتبر مسألة التمويل من أبرز نقاط الخلاف بين التنظيم الدولي وفروعه. فقد اتُهم التنظيم الدولي باستغلال التمويل كأداة ضغط لفرض أجندته، في حين يؤكد التنظيم أن ذلك ضروري للحفاظ على وحدة الجماعة. هذا الخلاف دفع بقيادات شابة داخل سوريا للمطالبة بإعادة صياغة المشروع الإخواني بما يتناسب مع الواقع السوري الجديد، سعيًا إلى تحرير القرار من السيطرة المركزية. أمّا في لبنان، فتُظهر الجماعة المحلّية حرصًا على الحفاظ على هيكلها التنظيمي الحالي وتجنب أي انقسامات.
تحديات محلّية وضغوط دولية
صرّحت مصادر لبنانية مطّلعة لـ "نداء الوطن" بأن "الإخوان" لطالما شكّلت مشروعًا عابرًا للحدود المحلّية يحافظ على وحدة فكرية وتنظيمية. إلّا أن تزايد الضغوط القانونية والسياسية يدفع فروعًا عدة للمطالبة بمرونة أكبر في العلاقة مع المركز.
وأضافت أن التجربة السورية، رغم تعثّرها، أصبحت نموذجًا يُلهم قيادات في الجزائر وتونس والأردن ولبنان، حيث تُطرح خيارات أكثر تحرّرًا من المركز، بما يتيح التكيّف مع الواقع الوطني من دون خضوع كامل للتنظيم الدولي.
وتشير المصادر إلى أن الخلاف لم يعد عابرًا، بل يعكس أزمة بنيوية حقيقية تهدّد مستقبل الجماعة ككيان موحّد، مع تراجع التمويل وغياب قيادة جامعة. يواجه التنظيم الدولي تآكلًا في نفوذه، وسط صعود خطاب محلّي يدعو إلى كسر المركزية واستعادة القرار الوطني.
مفترق طرق مصيري
تشير مصادر كويتية مطّلعة إلى أن "الإخوان" تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إذ لم تعد قادرة على إدارة التناقضات المتفجّرة داخلها. وترى هذه المصادر أن الخلاف مع الفرع السوري، الذي يُعتقد بقربه السياسي من محور إيران، ليس نزاعًا معزولًا، بل هو مؤشر إلى أزمة أوسع تهدّد وحدة التنظيم العالمي.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حاسمة: هل تتجه الجماعة نحو تحوّل تدريجي يتجاوز المرجعية الدولية، أم يتمكّن التنظيم المركزي من استعادة الهيمنة؟ المؤكد أن هذه الأزمة تمثل لحظة فارقة، قد تعيد رسم هوية "الإخوان" ومسارها السياسي في العقد المقبل.