مع وصول طلائع المقاتلين الإيرانيين إلى لبنان مطلع عام 1980، برزت معهم استراتيجية إيرانية متكاملة لمشروع تصدير الثورة الإسلامية في إيران، تقوم على أركان عديدة: سياسية، عسكرية، أمنية، تنموية، اقتصادية، صحية، تربوية واجتماعية. وقد أعلن الشيخ محمد منتظري، قائد حملة تطوّع الإيرانيين للقتال في الجنوب، في مؤتمر صحافي، بتاريخ 1 كانون الثاني 1980، عقَدَه في مسجد جامعة بيروت العربيَّة في حضور فلسطيني لافت، أن خطتهم إرسال الألوف تلو الألوف من المتطوّعين، و«المجلس الثوري» الحاكم في إيران قدَّم عشرة ملايين ليرة إلى لجنة شعبيَّة إيرانيَّة لبنانيَّة مشتركة مَهمّتُها تخصيص أموالٍ لمشاريع صحية واجتماعية. فبدأت المؤسسات الإيرانية بالظهور في لبنان، فظهرت «مؤسسة شهيد الثورة الإسلامية» عام 1982 وتلتها «مؤسسة إمداد الإمام الخميني» عام 1988، وما لبثت أن تحولت تلك المؤسسات إلى جمعيات لبنانية، كما حصلت على صفة المنفعة العامة، وتتعاون مع أجهزة الدولة اللبنانية وتحصل على مساعدات منها، شأنها شأن الجمعيات اللبنانية الأخرى التي تحمل الصفة نفسها.
"مؤسسة الشهيد"
هي جمعية «مؤسسة الشهيد الخيرية الاجتماعية»، انطلقت عام 1982 باسم مؤسسة «شهيد الثورة الإسلامية – فرع لبنان» بتوجيه مباشر من مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران روح الله الخميني، وهي مؤسسة إسلامية تتفرع من "مؤسسة الشهيد" الأم في إيران، عملها "الاهتمام برعاية أسر شهداء أمة «حزب الله» حيث تقوم بتوفير كافة الخدمات اللازمة لأسرة الشهيد، بدءًا من الدعم المالي مرورًا بالرعاية الاجتماعية والصحية وصولًا إلى التوجيه التربوي وتأمين التحصيل العلمي والثقافي للأبناء. وانطلقت آنذاك في لبنان، تأكيدًا لكلام رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك والمرشد الحالي السيد علي الخامنئي «نحن لا نفرّق بين شهدائنا والشهداء اللبنانيين، لأن الجميع استشهدوا في سبيل الله ودفاعاً عن الإسلام، ... نحن لا ننظر إلى الجنسية أو إلى القومية أو الأرض أو المنطقة التي تحصل فيها الشهادة والتضحية، إنما المهم بالنسبة لنا هو الهدف والغاية والدوافع».
بدأت الجمعية بخدمات صحية، اجتماعية، تربوية، خدماتية ونشاطات عامة وإقامة معارض، وتقديمات لذوي «شهداء» "حزب الله" وجرحاه وأسراه ، وعقدت مؤتمرها الأول، في مركزها الرئيسي في مسجد الرسول الأعظم في 13 آذار 1986 تحت عنوان «مؤتمر الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب»، وفي العام التالي عقدت مؤتمرها كفرع لبنان وسوريا لمؤسسة شهيد الثورة الإسلامية تحت اسم «مؤتمر سيد الشهداء» في 11 نيسان 1987، في مبرة الإمام الخوئي برعاية السيد محمد حسين فضل الله، وفي عام 1988، حصلت جمعية «مؤسسة الشهيد الخيرية الاجتماعية» على علم وخبر رقم 37/أ د، من وزير الداخلية عبد الله الراسي، كما حازت في 17 آب 1994 على صفة المنفعة العامة وأصبحت تحصل على مساعدات من وزارة الشؤون الاجتماعية والدولة اللبنانية ومؤسسات الأمم المتحدة.
اهتمت منذ البداية بإنشاء المشاغل والمؤسسات الحرفية، فافتتحت في جبشيت عام 1986 معمل خياطة بحضور السيد هاني فحص. كما أنشأت مشغل الرسول الأعظم في بيروت الذي تحول إلى شركة لصناعة الألبسة لها علامة فارقة تجارية وصناعية، كما فتحت العديد من المعاهد الفنية كـ "معهد الشهيدة بنت الهدى" للنساء ومعهد الرسول الأعظم للفتيات، ومعهد الشيخ راغب حرب ومعهد الرسول الأعظم للتدريب المهني الذي تحول إلى معهد الرسول الأعظم التقني، ومستشفى الرسول الأعظم، الذي تحول إلى مستشفى جامعي ومتخصص في القلب، وافتتحت المؤسسة معهد الرسول الأعظم الجامعي للعلوم الصحية وآخر للعلوم الدينية، واللذَين تحولا إلى معهدين جامعيين، كما اهتمت المؤسسة بافتتاح المؤسسات التعاونية كـ "تعاونيات القدس"، و"معارض القدس السنوية"، و"مكتبات القدس التعاونية" التي تحولت إلى شركة لها علامة فارقة تجارية وصناعية، بالإضافة إلى الصيدليات كـ "صيدليات الشهيد راغب حرب" و"صيدليات المصطفى" و"صيدليات الشهيد" و"صيدليات القدس"، كما قامت المؤسسة بافتتاح "مركز الشهيد الطبي" في باب التبانة في الشمال عام 1990 لتقديم الخدمات الطبية هناك.
«إمداد الإمام الخميني»
هي جمعية «لجنة الإمداد الخيرية الإسلامية»، باشرت عملها في لبنان عام 1988 باسم مؤسسة «إمداد الإمام الخميني» كفرع للمؤسسة الأم في إيران، ونشأت لـ "تقديم الدعم ورعاية المستضعفين" و «المساهمة في الصمود أمام الحرب التي يشنها الاستكبار العالمي والنظام الماروني المتصهين»، بحسب خبر ورد في جريدة "العهد" بتاريخ 15 كانون الثاني 1988. وتعمل على "إمداد للفقراء والمساكين بكفالات شاملة للأيتام ومساعدات صحية للمرضى، وتمنح العوائل مساعدات عينية (غذائية وحاجات ولوازم منزلية) ومالية لتلك التي لا مُعيل لها، ومساعدات بناء وترميم لمنازل الأُسر الفقيرة، كما تسعى لتأمين مسكن لمن ليس لديه، وتعليم حتى الإجازة الجامعية".
المُوازنة السنوية قائمة على تقديمات صندوق الصدقات وكفالة الأيتام والتبرعات والوجهات الشرعية كالخمس والزكاة والكفارات. استطاعت «الإمداد»، أن تبني 5 مدارس في أكثر من منطقة، تحولت في ما بعد إلى إدارة المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، ومراكز لذوي الاحتياجات الخاصة منتشرة في بيروت والهرمل وبعلبك والنبطية وبنت جبيل، وداريْن للأيتام، في بلدتيْ راشكيدا (قضاء البترون) والمعيصرة (قضاء جبيل)، وداريْن للمسنّين في صور والخيام. وأنشأت بطاقة «سجاد» المدعومة من مشاريع «الإمداد»، لشراء المواد الغذائية، وتم في ما بعد تعميم هذه البطاقة كبطاقة تموينية يحصل حاملها على خصومات.
في 29 آذار 1988 حصلت لجنة الإمداد الخيرية الإسلامية على علم وخبر رقم 85/أد من وزير الداخلية عبد الله الراسي، وفي 20 تشرين الأول 1994 حصلت على صفة المنفعة العامة بمرسوم رقم 5829 من وزير الشؤون الاجتماعية شاهي برصوميان، يرأسها حاليًا النائب السابق محمد برجاوي.
وبحسب كتاب «شيعة لبنان في الاقتصاد: كيان موازٍ يجذب العقوبات» الصادر عن «أمم للتوثيق والأبحاث» عام 2023، فإن الولايات المتحدة الأميركية أدرجت «مؤسسة الشهيد» على لائحة العقوبات عام 2007، وفي عام 2016 أغلق مصرف لبنان حسابات «مؤسسة الشهيد» و«مستشفى الرسول الأعظم» و«جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية»، التزامًا بقانون العقوبات الأميركي، وفي 2020 صنّف «أوفاك» ثلاثة مسؤولين لبنانيين و12 هيئة مقرها في لبنان مرتبطة بـ «مؤسسة الشهيد».
يبدو واضحًا وجليًا قيام هذه المؤسسات بعمل منظم ومتقن على مدى كل هذه سنوات في البيئة الشيعية، ما أدى إلى تثبيت دعائم مشروع «أمة الولاية» في لبنان، وإخراج أبناء تلك البيئة من الكينونة اللبنانية إلى رحاب «الدولة الإسلامية»، وسط انحسار الدولة ومؤسساتها في مناطق تمدد مشروع تصدير الثورة، والتي وصلت في السنوات الأخيرة إلى تلزيم الدولة اللبنانية لمؤسسات "حزب الله" العمل الصحي والاجتماعي في تلك المناطق، لا بل أضحت تدعم تلك المؤسسات وتعمل من خلالها، فأضحت خدمات الدولة تقدم من مؤسسات "حزب الله"، واستغنت الدولة اللبنانية عن وجودها وكيانها في تلك المنطقة، وأضحى المواطن اللبناني في تلك المناطق أسير تلك المؤسسات لأنه بدونها لا خدمات له، فإلى متى ستبقى مؤسسات الدولة اللبنانية غائبة عن تلك المناطق أو موجودة صوريًا؟ وإلى متى ستبقى تأتمر بما يفرضه أصحاب الكلمة العليا في تلك المناطق، جماعة «حزب الله» ومؤسساتها؟


