جورج الأسد

الشجاعة تصنع رجل الدولة

4 دقائق للقراءة

آثرنا لمقالات الرأي التي باشرنا بكتابتها منذ مدة وجيزة أن ترتكز على ثلاث نقاط أساسية. أولاً، التشديد على الممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية للبلاد و ضرورة صونها. ثانياً، الالتفاف حول القيادة الجديدة للبلاد لما أوحت به من آمال واعدة في خطاب القسم والبيان الوزاري. ثالثاً، وهي النقطة الأهم، المناداة بالتآلف والتعاضد والتآزر بين جميع مكوّنات الشعب اللبناني، مع الأمل بأن تتعالى على الاختلافات والخلافات بغية طي صفحة الماضي والمضي قدماً في بناء مستقبل زاهر للبلد، وذلك من منظور وطني صرف يجمع بين الأضداد بأقصى قدر واقعي وعملي ممكن.



في هذا الاطار الجامع، هل ثمّة هدف أسمى من حماية حق الشعب اللبناني في الحصول على بلد "طبيعي" ينبض ويعيش و"يمشي" مثل بلدان العالم المستقرة والراسخة، بما يؤمن له فرص الاستدامة الطويلة المدى؟



من هنا يتفرّع ان كافة أطياف الشعب اللبناني لها الحق، كل الحق، بأن تمارس واجبها الانتخابي ان كانت مقيمة في البلد أو مغتربة خارجه، اسوة بشعوب سائر البلدان المتحضّرة. إن هذا من حقوق الإنسان البديهية التي خُطّت في الشرائع والدساتير، ولبنان ليس بالغريب عنها.


ماذا يفسّر اذاً تلك المناورات التي نشهدها لحرمان المغتربين من حق التصويت لأعضاء المجلس النيابي الـ 128، كل حسب مكان قيده في الوطن الأم؟ هل هناك من يعتبرها أعمالاً محمودة، في الوقت الذي هي تهدف الى تسلُط فئات معينة على العملية الانتخابية عن طريق حصرها في نطاق البلد فقط؟ الجواب هو انها أعمال منكورة، إذ أن مجرد قبولها سيكون بمثابة "عمى استراتيجي" لكونها ستؤدي الى زيادة الشقاق بين المكوّنات اللبنانية. كيف؟ من هذا النوع من الصراع غير المبرّر وطنياً سيتولّد لدى تلك الأطراف التي تؤيّد تصويت المغتربين شعور سلبي وغبر سليم تجاه الأطراف الأخرى برمّتها وليس فقط تجاه قياداتها التي تسعى لعرقلة استمرارية تلك التجربة السابقة وتعطيلها.



التفسير الوحيد لما يحدث ليس شطارة تلك القيادات أو خزعبلاتها المعهودة، أو حتى قدراتها الترهيبية والابتزازية بسطوة السلاح وغيره، إنما هو الخوف وانعدام الشجاعة لديها من احتمال مواجهة واقع خسارة مقاعد بالجملة أو بالمفرُق قد تفرزها نتائج تلك الانتخابات، لأنه من المفروغ منه أن أصوات المغتربين هي حرّة بنسبة عالية من كل التأثيرات الشاذة التي غالباً ما تمارسها تلك القيادات على الناخببن داخل البلد.



بالتأكيد فان تلك القيادات تثبت بذلك التمنّع انها لا تتمتع لا بالحس الديمقراطي الذي تتشدُق بالكلام عنه وهي لا تعنيه فعلاً، ولا بحس الشجاعة، ولو الأدبية، لمواجهة فكرة الخسارة وتقبّل حكم الشعب على قراراتها السيئة في السلم وفي الحرب التي أوصلت البلاد إلى الحضيض الذي ترزح فيه.


قائد بدون شجاعة يساوي متنفّذ متسلبط متنمّر لا يتمتع بأي حسٍ بالمسؤولية الحقة، بل تحرّكه مصالحه الأنانية ومآربه الشخصية الضيّقة التي يغلّفها بذريعة المحافظة على مصالح الطائفة أو الجماعة. فهل هذا ما هي عليه تلك القيادات التي تهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور في كافة المواقف التي تستشعر فيها مخاطر فقدان السيطرة أو حتى احتمال ذلك؟



ربح تشرشل الحرب العالمية الثانية، و خسر الانتخابات البرلمانية التي أُقيمت بعدها، فانحنى لارادة الشعب البريطاني وهنّأ رئيس الحزب المنافس بفوزه، وانصرف مرفوع الرأس إلى تقاعده المتأخّر. أبدى شجاعة فائقة للفوز بالحرب و أبهر قومه والعالم أجمع بشجاعة ملهِمة في تقبُل خسارة الانتخابات بعدها. وها هو التاريخ لا يزال يذكره بشكل مشرّف، والشعب البريطاني يكرّم ذكراه دون أي انتقاص من مكانته لكونه قد احترم نتيجة اقتراعه بكل ديمقراطية وأذعن لارادته الحرة.



متى تتعلّم قياداتنا تلك التي تمتهن سلب الحقوق وممارسة أبشع أنواع الظلم، نعم الظلم الفاقع، بأن شدّ الحبال لا يبقى إلى ما لا نهاية، بل أن سنّة الطبيعة توجِب رخيها لكي تستقيم الأمور لجميع الشركاء في الوطن قاطبةً؟ والأهم، متى هي تقوم بالتحلي بالشجاعة اللازمة لرخي تلك الحبال، و الارتقاء بالتالي إلى مصاف رجال دولة؟


صاحب رأي سيادي مستقل