بالفيديو – في ذكرى حبيب صادق... كلمة السفير سيمون كرم تستفزّ أنصار "الحزب"

7 دقائق للقراءة

لم يمرّ مرور الكرام، حفل تكريم الأديب والمفكر والأمين العام السابق للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق، الذي شهدته جامعة القديس يوسف، وذلك لمناسبة الذكرى الثانية لغيابه.

فقد أثارت كلمة السفير السابق سيمون كرم، غضب مناصري "حزب الله" الحاضرين، وبعض اليساريين، وبينهم النائب الياس جرادة، فارتفعت أصواتهم رفضًا لمضمون خطابه وأحدثوا فوضى في القاعة قبل انسحابهم منها احتجاجًا.



وتناول كرم في كلمته تداعيات "حرب الإسناد" على لبنان، قائلاً "إن شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب؛ وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل، يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة؛ والجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس؛ "والقوات الدولية" لسعيها تنفيذ القرارات الدولية؛ وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم كفى."



وفي ما يلي النص الحرفي لكلمة السفير كرم:

ضئيلة، تكاد لا تُذكر، مساهمةُ حبيب صادق في صناعة الهالة التي أحاطت به في حياته، ثم بعد رحيله.

فـحبيب صادق ـ الرمز ـ صَنَعَه خصومُه، على تَعدُّدهم وتنوع مصالحهم.

خصومُ إصلاح النظام السياسي، يوم كان الإصلاح ممكناً، من دون الانزلاق إلى جحيم النزاع الأهلي.

خصومُ بناء دولة العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية بعد الحرب؛ أولئك المهرولون بالسياسة والاقتصاد معاً إلى الإفلاس الذي تتخبّط فيه البلاد.



خصومُ استكمال إنجازٍ سياسي فريد، كان حبيب ركناً كبيراً فيه، وصولاً بالبلاد والناس إلى ما نحن عليه اليوم.

لهؤلاء الخصوم يجب توجيه الشكر؛ فلا فضلَ لنا، نحن محبّيه ومريديه، في هذا الألق الذي يشعّ من حبيب في حياته وفي غيابه.



هو لم يصنع شيئاً سوى أنه كان هو ذاته؛ في الصدق والاستقامة والأنفة، واحترام الذات والآخر؛ في القوة والصلابة ووضوح الموقف؛ هو ذاته في الشجاعة الأدبية والشخصية؛ في ازدراء المال والمناصب والمخاطر.

كلُّ ذلك كان مقروناً بتواضعٍ يبلغ حدَّ الامّحاء، وبأناقةٍ في التعبير تصل إلى أرقى مراتب الأدب، وبخفة ظلّ في تناول الكبيرة والصغيرة من المسائل، وبسعة صدرٍ وثقافةٍ ودار.



نشتاق إلى "الأستاذ حبيب"؛ إلى حكمته، وسَعة أفقه، وصواب نظرته، وعميق صبره في هذه الأيام؛ أيام الوجع، والحداد، والحزن، والمرارة، والمهانة، والضياع.



عاش اللبنانيون "حرب الإسناد" منقسمين بعمق حول ضرورتها، ومسؤولية مباشرتها؛ وازداد الانقسام حدةً حول شروط إنهائها، ومصير ما تبقّى من سلاحها.

شروطُ إنهاء الحرب جاءت أفدحَ من الحرب نفسِها؛ وما يزيد الأمورَ بشاعةً أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق النار من طرفٍ واحد مع إسرائيل، يطلقون اليوم ناراً سياسيةً وأمنية كثيفةً على الداخل، ساعين إلى إحياء ما ظنوه "غَلَبةً" لعِبوا دورها سحابةَ سنواتٍ قصيرةٍ عجاف، وانتهت بهم وبالبلاد وأهلها إلى هذا الخراب العميم.



يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الخيار الوحيد المتاح بعد النكبة؛ ويهاجمون الجيش بذريعة عجزه عن حماية البلاد والناس؛ ويهاجمون القوات الدولية لسعيها إلى تنفيذ القرارات الدولية؛ ويهاجمون سائر اللبنانيين إن قالوا لهم "كفى".



كلّ هؤلاء خونةٌ ومتآمرون؛ وبقايا السلاح، وبقايا العسكر، وبقايا الأمن، وبقايا الإعلام، مستنفرون لتأديبهم وإخضاعهم.

وذلك في وقتٍ لا يُضاهي استمرارَ الضربات الإسرائيلية إلا دقّتُها القاتلة؛ تصيب مراكز يُفترَض أنها سرّية، وتستهدف مسؤولين عسكريين وأمنيين وتمويليين، لا يُفترَض أن يعرفهم أحد خارج الحلقة الضيقة في البيئة الحاضنة.



صبرٌ على إسرائيل التي قتلت، حتى الآن، ما يزيد عن مئتي ناشطٍ منذ وقفوا نارهم، ولا صبرَ على الداخل: رئاسةً، وحكومةً، وجيشاً، ومجتمعاً مدنياً، ومراكز ثقافية، وجامعات، ومدناً، وبلدات؛ بما في ذلك تلك التي فتحت بيوتها وقلوبها للنازحين في محنتهم؛ بل هناك كلمةٌ جارحة مع كلّ إطلالة، وآخرها: "باقين على قلوبكم".

لا نملك إزاء هذه العدائية الطافحة إلا أن نلوذ بالدولة.



نطالبها بأن تدافع عن نفسها أولاً؛ أن تدافع عن رموزها ومؤسساتها الكبرى، محراب سيادتها الوطنية، ومسؤوليتها عن اللبنانيين؛ أن تعلن أنها الملاذُ والمرجعُ لكلّ ضحايا هذه العدوانية؛ وهم السواد الأعظم من اللبنانيين، المستهدفين بالترهيب، الذين ذاقوا طعم الإرهاب: تخويناً، وغطرسةً، واغتيالات؛ ويخشَون عودةً على بدء.

أن تقول الدولة، نيابةً عن هؤلاء جميعاً، ومفوّضةً منهم: إن التمسك بالسلاح هو تمسكٌ بالاحتلال.

القلق الممزوج بالخيبة يقتضي مصارحة الدولة بأن ما آلت إليه أحوالها يُوشك أن يقوّض صدقيتها، وأن انطلاقةً بدت واعدة، آخذةٌ بالتحول إلى سرابٍ، ومجرد ذكرى طيّبة.



أحاول استلهام وضوح حبيب صادق، وأتشجّع بحضور أصدقائه، لمناشدة الدولة ومصارحتها بقساوة ما نحن فيه وعليه:

المبادرة إلى "حرب الإسناد"، أخطر أنواع الحروب من حيث مسؤولية مباشرتها؛ ثم خسارة الحرب؛ ثم الإذعان لوقف إطلاق نار من جانبٍ واحد؛ كلّ ذلك وضع البلاد أمام أخطر معادلةٍ سياسية في مواجهة إسرائيل والعالم الخارجي: فتح المجال للإجهاز على ما تبقى، دون تمييزٍ كبير بين من بادروا إلى الحرب، ومن تنكّبوا المسؤولية بعد الهزيمة. ما يجري اليوم نموذجٌ لما هو آتٍ.



الخيار الدبلوماسي يعني القبول بالتفاوض في ظل ميزان القوة القائم، ثنائياً وإقليمياً؛ وهو السبيل الوحيد المتاح أمام الدولة. لها أن تستعين، وإلى حدٍّ ما تستقوي، بأصدقاء لبنان، عرباً ودوليين؛ لكن لا يجوز أن يفاوض هؤلاء نيابةً عنها، فيما هي تكتفي بالمطالبة بإزالة الاحتلال.



طرح "اتفاقية الهدنة" هو المدخل التفاوضي الصحيح؛ من دون أوهامٍ حول أن الحلّ المرتجى يمكن أن يتجاوزها. مع الأخذ في الاعتبار أن الدولة التي وقّعت هدنة 1949، اتخذت قراراً سياسياً كبيراً، جوهرُه قدرتها المحسومة على فرض الأمن، دون شريك أو منازع، على حدودها وكلّ أراضيها؛ مقابل التزام إسرائيل بموجبات الهدنة. معادلةٌ منحت لبنان عقدين من الاستقرار، حتى اتفاق القاهرة.



منطق التفاوض انطلاقاً من اتفاقية الهدنة هو الرجوع إلى "دولة الهدنة"، وهدف التفاوض الرئيسي: إنهاء احتلال التلال الخمس وملحقاتها؛ وتحديد وترسيم الحدود البرية؛ وتثبيت اتفاق تحديد الحدود البحرية، رغم ما تضمنه من تفريطٍ في موارد البلاد الاقتصادية؛ والذهاب بمزارع شبعا إلى التحكيم الدولي مع إسرائيل وسوريا على حدّ سواء.

الهدف الموازي هو التفاوض على العبور من "إنهاء الأعمال العدائية"، الذي يحكم الواقع الحالي، إلى شروط إنهاء العداء بين الدولتين؛ ضماناً لتمكّن لبنان من إعادة إعمار الجنوب، بالموارد الوطنية المتاحة، والمساعدات العربية والدولية؛ وعودة الناس إلى بلداتهم وقراهم، ومباشرة الإعمار.



هذا طريقٌ شاقٌّ وطويل؛ شرطُه الوحدةُ الداخلية، كي لا يصبح مستحيلاً وتزداد المخاطر المحدقة.

فلا التفاوض مع إسرائيل نُزهة، ولا إعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع ممكنة في ظل استمرار حال العداء؛ ولا استقطاب الاستثمارات العربية والدولية لإنهاض الاقتصاد متاح في ظل هذا الواقع.



الحكمة والحنكة معاً تقتضيان ربط هذه المصالح الوطنية الكبرى ـ الأمن، والمساعدات، والاستثمارات ـ بمجرى التفاوض، عربياً ودولياً؛ مع الاعتبار أن الخارج بات يتحدث بلغة الاستثمار أكثر بأضعاف من لغة المساعدات.

لطالما ردّد حبيب صادق أن الأصل هو تماسك الداخل؛ وأن الوحدة الداخلية، على صعوبتها، تضاعف القوة الوطنية، وتتيح تحقيق الأهداف. وبهذا المنطق، كان حبيب ركناً في إنجاز ربيع 2005، بكل مخاطره وأوجاعه. وسوف يتعيّن على الذين يرَون فيه عروتهم الوثقى أن يسعوا إلى تحقيق إجماعٍ وطني، يؤمّن للبلاد أمناً مستداماً، وللناس عودةً وإعماراً، وثباتاً في الأرض، والتراث، والإيمان.



أهل جبل عامل هم أهل إقدامٍ وتضحيةٍ ومهابة؛ يعلمون، من التاريخ قبل الحاضر، أن حفظ الذات يكمن في حُسن الخيار وحكمته، في مواجهة صروف الدهر ومحن الزمان.

قلبُ صفحة العداوة ليس أمراً هيّناً، لكنه، على مرارته، هو حفظٌ لهم قبل سائر مواطنيهم، وضمانةٌ لحياتهم أعزاء موفورين في أرضهم، في حاضرهم، ومستقبل أجيالهم.

إنها كأسٌ مُرّة على كل اللبنانيين؛ أن يُقدِموا على تجرّعها مجتمعين، قرارَ عبورٍ من لحظة الشدّة القصوى، ورهاناً على غدٍ ممكن."