ماذا إذا رمى رئيس الجمهورية جوزاف عون الكرة في وجه "حزب الله" وقال لهم: دبّروا حالكم وروحوا أنتو فاوضوا. هل كان خيار الذهاب إلى مثل هذه المفاوضات مع إسرائيل خيارًا؟ وهل كان مطروحًا لولا الحرب التي شنّها "حزب الله" في 8 تشرين الأول 2023 مساندة لحركة "حماس" في قطاع غزة، ولولا حرب الإنتقام للمرشد الإيراني علي خامنئي التي افتتحها بصلية من ستة صواريخ في أول آذار 2026؟ هل التفاوض لإنقاذ لبنان أم جماعة إيران؟ ربما بلاها أفضل. فليذهب الحزب إلى التفاوض مباشرة.
كأن "حزب الله" يستمدّ كلّ مبرّرات وجوده وتمسّكه بسلاحه غير الشرعي من استمرار الإحتلال الإسرائيلي لأجزاء من لبنان. كأنّ الحرب المفتوحة هي من ضرورات حياة "الحزب" وبقائه وحملات التخوين التي يشنّها ضد معارضيه، هكذا فعل عام 2000 عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان، فاخترع مع النظام السوري وحكم الوصاية التابع له في لبنان، أيام رئاسة العماد إميل لحود قصّة مزارع شبعا. وهكذا فعل بعد حرب تموز 2006 التي انتهت بالقرار 1701 الذي نصّ على استعادة الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح "الحزب" تطبيقًا أيضًا لاتفاق الطائف وللقرار 1559 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي في أيلول 2004 ، وأدّت ردة فعل "الحزب" عليه إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ،لأنّه اتّهمه بأنّه كان وراء هذا القرار، وكان أمينه العام حسن نصرالله قد هدّد بقطع اليد التي تمتدّ إلى "السلاح" معلنًا أنّ "السلاح" هو لحماية "السلاح"، وعلى هذا الأساس اعتبر أنّ يوم 7 أيار 2008 وغزو بيروت والشوف وعاليه، هو يوم مجيد.
تفاوض أم خيانة؟
عندما فاوضت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في حرب تموز 2006 من أجل وقف النار ، اتّهمها "الحزب" بالخيانة بينما كان رئيس مجلس النواب نبيه برّي اعتبر أنّها حكومة استقلال في وجه الإحتلال. في تلك الحرب، التي أعلن نصرالله بعدها، أنّه ما كان ليدخل فيها ،لو كان يعلم حجم الردّ الإسرائيلي المدمر، توسّل الحزب وقف النار. تولّى الرئيس برّي التفاوض باسم "الحزب"، وكان على الرئيس السنيورة أن يكون في الواجهة. كانت المناشدة في حينها، أنّ المطلوب وقف النار بأيّ ثمن، لأنّ "الحزب" كان فقد القدرة على الإستمرار. لم يكن هدف الحكومة إنقاذ "الحزب" وقتها فقط ، بل إنقاذ لبنان أيضًا من هذه الحرب التي زجّه فيها "الحزب".
في مطلع آذار الماضي، أطلق "الحزب" ستة صواريخ على شمال إسرائيل، انتقامًا كما قال لاغتيال مرشده الأعلى علي الخامنئي. كانت تلك الحجّة التي استخدمتها إسرائيل لاستئناف الحرب ضد لبنان. ردّها كان قويًا وصاعقًا، وكان ردّ قيادات من "الحزب" صاعقًا أيضًا، عندما اعتبروا أنّ إطلاق ستة صواريخ لا يستأهل هذا الردّ وهذا الحدّ من التدمير. الخطر الذي زجّ "حزب الله" لبنان كله فيه ،نتيجة هذا القرار، هو الذي دفع الحكم إلى طلب التفاوض من أجل التمكن من إنقاذ ما تبقى ومن أجل إنقاذ "الحزب" نفسه.
أخطاء قاتلة في الحسابات
بعد حرب إسناد غزة أيضًا ،لم يحسب ألامين العام " للحزب" حسن نصرالله، أنّ الردّ الإسرائيلي سيكون مكلفًا ومدمّرًا. اعتبر أنّ إسرائيل لا يمكن أن تقاتل على أكثر من جبهة، ولا تستطيع أن تخوض حربًا طويلة، قياسًا الى تجارب الحروب السابقة، التي كانت تنتهي خلال أيام، وأنّه إذا حافظ على مستوى المساندة المنخفض يجعل إسرائيل تلتزم بهذا المستوى أيضًا. لكنّ حساباته كانت كارثية. في 17 أيلول 2024 نفّذت إسرائيل عمليات تفجير أجهزة البيجر ثم أجهزة الإتصال، وفي 27 أيلول اغتالت نصرالله واغتالت قادة الحزب العسكريين، وخَلَفَهم هاشم صفي الدين، وتوغّلت قواتها في قرى الحدود التي اعتبر "الحزب" أنّها ستكون مقبرة للدبابات الإسرائيلية، وثبت سقوط هذه النظرية. تجاه هذا الواقع توسّل "الحزب" مرّة جديدة اتفاقًا لوقف النار، وافقت عليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في 27 تشرين الثاني 2024.
الحزب وافق والحكومة قبلت
أراد "حزب الله" من هذا الإتفاق ضمان فترة من الإستراحة ليلتقط أنفاسه ويتجنّب القضاء عليه بشكل كامل. لذلك تنازل في مستويات الممارسة السياسية وأحنى رأسه للعاصفة، وقَبِلَ مرغمًا بانتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وبتكليف القاضي نوّاف سلام تشكيل الحكومة التي لم يحصل فيها إلا على وزيرين. في تلك المفاوضات كان "الحزب" في الواجهة مباشرة، وليس الرئيس نبيه برّي ولا الرئيس نجيب ميقاتي. هو الذي وافق والحكومة قبلت ووقعت على الإتفاق. وبالتالي لم يعد مهمًّا الحكي عن أنّ الرئيس برّي وافق أيضًا. موافقة برّي وميقاتي كانت صورية ورسمية فقط. بعد ذلك حاول "الحزب" الإنقلاب على ما وافق عليه. أراد أن تغطّيه سلطة الحكم الجديد في لبنان، بينما يعلن جهارًا تخلّيه عمّا وافق عليه لجهة نزع سلاحه. وعلى رغم أن إسرائيل انسحبت من كل المناطق التي احتلتها، واحتفظت بخمسة مواقع كان يمكن أن تنسحب منها، إلا أنّ "حزب الله، أخلّ بما وافق عليه، وهدّد بالحرب الأهلية وبشقّ الجيش اللبناني وبحرب كربلائية مقدسة دفاعًا عن سلاحه، باعتبار أنّه سرّ بقائه ووجوده، وهو يعلم جيدًا أنّ هذا السلاح يشكّل خطرا على لبنان كله. صارت المعادلة بالنسبة إليه أنّ الإحتلال الإسرائيلي يبرّر بقاء سلاحه. ومن هنا بدأت قيادات في "الحزب" تتحدّث عن أن السلاح أهمّ من الأرض، وأنّه إذا بقي السلاح يمكن تحرير الأرض، أما إذا تخلّى عنه فماذا يمنع الإحتلال؟
من يرتكب فعل الخيانة؟
عندما ذهب لبنان إلى التفاوض مع إسرائيل مباشرة في وزارة الخارجية الأميركية في 14 نيسان الماضي، تحت ضغط الحرب التدميرية واحتلال المزيد من الأراضي والقرى، وعندما طرح موضوع لقاء بين الرئيس جوزاف عون ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، قامت قيامة "الحزب" وأخرج كل ما في جعبته من كلام ومواقف مسيئة ضد رئيس الجمهورية. وعندما عقدت جلسة المفاوضات الثانية في البيت الأبيض، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تم تهديد الرئيس بأنّه يرتكب خيانة وطنية ،وبأنه إذا ذهب إلى واشنطن فلن يعود ، كما هدّدوه بالقتل.
مع الجولة الثالثة من التفاوض بانضمام السفير سيمون كرم إلى الوفد اللبناني، استمرّت حملات التخوين. لا الرئيس جوزاف عون ولا الرئيس نوّاف سلام ولا الحكومة أعلنوا الحرب على إسرائيل. الدولة اللبنانية زجّ بها "حزب الله" في هذه المفاوضات، لأنّه زجّ لبنان في الحرب. وما دام يتّهم الرئيس بالخيانة ويهدّده بالإغتيال فلماذا يتولّى الرئيس مهمة التفاوض؟ من الأفضل له أن يخرج من هذا المسار ، وأن يتولّى "حزب الله" هذه المهمة ولتستمرّ الحرب ، ما دام "الحزب" يعتبر أنّه ينتصر فيها، وأنّه يهدّد وجود إسرائيل. فلماذا يحول الحكم بينه وبين هذا النصر؟ فلتبقَ الكلمة للميدان وليمتنع سيمون كرم عن التوجه إلى واشنطن، وليعتذر الرئيس عون عن عدم الحضور، وليبلّغ الأميركيين: ننتظر أن نزوركم في فرصة ثانية.