شهدت شكّا صباح 5 تموز 1976 مع دخول المهاجمين إليها فواجعَ ومآسيَ ستظلّ تروى لأعوام طويلة، ليس أقلّها قتل العجزة في أسرّتهم وقطع رؤوسهم، وتقطيع أجساد الأسرى بالفؤوس، وسحلهم خلف الآليات العسكرية، وحرق السيّارات بمن بداخلها من أطفال ونساء.
أخبار وروايات أغرب من الخيال. مآسٍ لو أردنا تفصيلها قد لا تتّسع لها مجلّدات لتروى، لكن تبقى قصة الطفلة صونيا نبيل العلم والطفل السوري زياد ابراهيم دينا مع الصبية رفقا سمعان حرب التي أنقذتهما من الموت جديرة بأن تروى.
رفقا سمعان حرب من تنورين وتقيم عائلتها في شكّا العتيقة من سنوات طويلة مع العديد من عائلات تنورين التي نزحت إلى شكّا وعانت ما عاناه أهالي شكّا العتيقة يومها.
نبيل أنطونيوس غصن العلم من عبدين في قضاء بشرّي يعمل في مزارع وليم بطرس في شكّا.
تزوّج عام 1974 حنّة مخايل الشالوحي من بزيزا في قضاء الكورة وأقام في خان بزيزا حيث تقيم عائلات من منطقة بشرّي. أنجب في آذار 1975 فتاة سمّاها صونيا.
مع اندلاع الحرب في نيسان 1975، استمرّ نبيل يعمل في شكّا ويعود إلى منزله في خان بزيزا، لكن مع تطوّر الأحداث والخطورة الكبيرة على طرقات الكورة، نقل أواخر آذار من العام 1976 زوجته الحامل وطفلته إلى شكّا حيث سكنوا في منزل ملاصق للمزرعة التي يعمل فيها إلى جانب العديد من عائلات العمّال والموظفين الساكنين هناك.
بعد انتقال العائلة إلى شكّا، انقطع نبيل عن زيارة خان بزيزا أو عبدين، وأقام بصورة دائمة في شكّا على الخط المواجه لبلدة كفرحزير حيث تتمركز القوات الفلسطينية.
كان يعمل نهارًا في المزرعة، ويحمل بندقيته ليلًا ويحرس مع المقاتلين إلى أن أتى فجر الإثنين 5 تموز 1976 حيث بدأت قصة نبيل وعائلته.
كان الجوّ تلك الليلة هادئًا جدًّا، لا يسمع سوى زقزقة بعض العصافير وأصوات "الفراريج" التي يتمّ إحضارها إلى المسلخ لذبحها، وكان العمل في مشغل المزرعة قائمًا وعاملات وعمال يقومون بتوضيب "الفراريج" المذبوحة تمهيدًا لنقلها إلى المتاجر. فيما يخيّم الصمت على غرف النوم حيث تنام بعض عائلات العمّال وأطفالهم.
حوالى الساعة 3 فجرًا، وفيما يجلس نبيل مع بعض حراس تلك الليلة مسترخين في متاريسهم وبعضهم يفغو غفوة صغيرة، فتحت أبواب جهنم عليهم واصطبغ الليل باللون الأحمر، وبدأت القذائف تزرع المزرعة وحواليها.
هبّ الجميع إلى متاريسهم. وما لبث أن سمع نبيل صوت أحد المقاتلين يعلمه أن عاملًا سوريًّا يدعى ابراهيم دينا أصيب في يده.
أسرع نبيل إلى سيارة "البيك أب" وأصعد إبراهيم دينا إلى جانبه وانطلق إلى المستوصف الميداني في مدرسة الرهبان.
ماذا حصل مع نبيل العلم؟
يخبر أنه بعد انطلاقه من المزرعة، وكانت القذائف تتساقط من حوله، سقطت قذيفة قرب "البيك أب"، فوقع خارج الطريق وتعطل، فقفز منه مع ابراهيم واختبأ في حفرة ثم حاولا الابتعاد، لكن القذائف كانت تنهمر بغزارة، ولم يعد ابراهيم يقوى على السير فراح يسنده ليتقدّم، وعلى مشارف حي البلاط حمل عدد من الشبان ابراهيم وأكملوا به إلى المستوصف فيما حمل نبيل بندقيته وعاد باتجاه المزرعة.
يضيف نبيل: "بسبب القصف المتواصل، لم أتمكّن من إكمال الطريق، فاضطررت إلى أن ألتجئ إلى منزل روبير الشيخ القريب، حيث كان يتواجد عدد كبير من الأهالي معظمهم من النساء والأطفال والعجزة، وكان القصف عنيفًا جدًّا، ثمّ وصل المسلّحون المهاجمون واقتحموا المنزل، وكان من بينهم عدد من أبناء الكورة الذين تعرفوا إلى الموجودين ومنعوا المسلّحين الأغراب من قتلنا.
قام المسلّحون بتفتيش المنزل وبعثروا محتوياته، وبعد أن أنهوا تفتيشهم تقدّمت من مسلح من كفرحزير أعرفه منذ سنوات وأخبرته أنّ زوجتي وطفلتي لا تزالان في المزرعة ورجوته أن يأخذني إلى هناك كي أحضرهما.
بعد قليل، اصطحبني الشاب الكوراني إلى المزرعة، ورحنا نبحث عن أي شخص، لكن لم يكن يوجد فيها أي إنسان، فقط شاهدت 4 عمال سوريين مقتولين ومرميّين قرب بعضهم البعض، فعدت مع الشاب إلى منزل روبير الشيخ".
ماذا جرى في المزرعة بعد رحيل نبيل العلم؟
بعد دقائق على مغادرة "البيك أب" بدأ القصف وظهر المسلّحون الفلسطينيون على بعد أمتار من المزرعة، فراح المدافعون ينسحبون منها بعد أن بدأت ذخيرتهم بالنفاد، ودخل المهاجمون إلى المزرعة، وراحوا يطلقون الرصاص في كلّ الاتجاهات.
وصل المهاجمون إلى مشغل المزرعة حيث تختبئ الصبايا، فيما هرب البعض الآخر في حقول الزيتون المجاورة، وبدأوا بإطلاق الرصاص فأصيبت جورجيت سلوم، لكنها استطاعت الزحف على بطنها والاختباء، ثمّ هربت في الحقول باتّجاه حي البلاط، ووقعت رفقا سمعان حرب في قبضة المهاجمين الذين نقلوها إلى حيث يتمّ تجميع الأسرى.
بعد تجميع عدد من الأسرى، أُصعدوا إلى شاحنة لنقلهم إلى طرابلس، وفيما رفقا تهمّ بالصعود إلى الشاحنة تعلّق بيدها صبيّ سوري يبلغ حوالى 10 سنوات، هو ابن أحد عمّال المزرعة فما كان من أحد المسلحين إلّا أن ضربه بالرشاش، فاستدار الصبي وبطريقة لا شعورية وجّه لكمة إلى المسلّح الذي فرّغ رشاشه في جسد الفتى الذي راح يتراقص وخرّ صريعاً، وسط صيحات الأسرى المصدومين.
بعد قتل الفتى السوري، تمّ إنزال الأسرى من الشاحنة ونقلوا إلى سيارات جيب.
خلال انتقال رفقا إلى سيارة الجيب، مرّت بقرب حنة الشالوحي وزوجة ابراهيم دينا الحامل أيضًا، وكانتا مصابتين ويصدر منهما أنين خافت.
وإلى جانب حنة كانت طفلتها صونيا تبكي، وإلى جانب المرأة السورية طفلها زياد البالغ من العمر 13 شهرًا تقريبًا الذي كان يبكي أيضًا.
أُصعدت رفقا إلى الجيب وجلست تنظر إلى المرأتين وطفليهما من دون أن تتمكّن من نجدتهم، ثمّ وصل مسلّح من الكورة، واقترب من الجيب وشاهد رفقا ومن معها مرعوبين فقال لهم: لا تخافوا، لن ندعهم يقتلونكم.
تشجّعت رفقا وطلبت منه أن يحضر لها الطفلين، فوافق شرط ألّا تخبر أنه هو من أحضرهما.
توجّه وحمل صونيا وزياد وكان الدم يغطّي جسدهما، وأتى بهما إلى رفقا التي وضعتهما في حضنها وحاولت مسح الدماء عنهما، وتبيّن لها أنّ قدم صونيا مصابة وتكاد تنقطع، والصبي مصاب في بطنه.
هنا توقّف الطفلان عن البكاء بعد أن تعرّفا إلى رفقا التي كانا يعرفانها سابقًا.
حوالى الساعة 9 قبل الظهر تحرّك موكب الأسرى الشكّاويين باتجاه كفرحزير، وعند كنسية السيدة تحدّث المسلحون عبر جهاز اللاسلكي وأخبروا أنّ معهم بعض الجرحى، ثم نقلوا رفقا والطفلين من الجيب إلى سيارة إسعاف وفصلوهم عن باقي الأسرى.
من كفرحزير انطلقت سيارة الإسعاف إلى طرابلس وتوقّفت لبعض الوقت في بشمزين وتابعت إلى مستشفى المظلوم في طرابلس، حيث أدخلت رفقا والطفلان إلى الطوارئ.
بعد وصولهم إلى المستشفى، نقل الطفلان إلى غرفة العمليات، فيما جلست رفقا في ردهة الطوارئ تنتظر خروج الطبيب.
فيما هي واقفة شاهدت شابًا من الميناء كان يقيم قبل الحرب مع عائلته في شكّا يدعى فؤاد أحمد جباضو، كانت رفقا على صداقة مع شقيقته سماح من أيام المدرسة، فتقدّمت منه وعرّفته عن نفسها فتفاجأ بها، فأخبرته أنها من الذين وقعوا في الأسر، وطلبت منه أن يتصل بمنزل خالتها في الميناء، وأعطته رقم الهاتف، فوعدها بالاتصال طالبًا منها ألّا تخبر أحدًا بذلك.
بعد اتصال فؤاد جباضو بمنزل خالة رفقا وصل أولاد خالتها إلى المستشفى وأخذوها إلى منزلهم في الميناء وخبّأوها عندهم، وانقطعت أخبار الطفلين عنها.
كيف عرف أهل صونيا بمكان وجودها؟
بعد سيطرة أحزاب "الجبهة اللبنانية" على منطقة الكورة، غادرت دير راهبات القديسة تريزيا في أميون الراهبة لوسيان الشالوحي شقيقة حنّة التي تقيم في الدير متوجّهة إلى شكّا لمعرفة ما حل بشقيقتها وعائلتها.
وصلت إلى المنزل الملاصق للمزرعة حيث كانت تقيم عائلة شقيقتها ولم تجد أحدًا، فالمعلومات الوحيدة التي حصلت عليها، أفادت بأن نبيل كان غادر المزرعة قبل دخول الفلسطينيين ولم يعد، ولا أي خبر عنه.
حاولت البحث عن صهرها نبيل لكنّها لم تجده، ولم يستطع أحد أن يدلّها على مكانه، فعادت إلى ديرها في أميون.
بعد أيام، زار نبيل العلم دير الراهبات في أميون وأخبر الأخت لوسيان المعلومات التي وصلته ومصدرها أحد العمال السوريين الذي استطاع لحظة دخول الفلسطينيين إلى المزرعة الاختباء بين أكياس العلف، وبقي في مخبئه من دون طعام أو شراب وشاهد ما حصل، وبعد دخول قوى "الجبهة اللبنانية" إلى المزرعة خرج من مخبئه، وأخبر أنّ المهاجمين أعدموا جميع السوريين الذين وقعوا في الأسر على الفور، ونقلوا الأسرى اللبنانيين في جيبات باتجاه أميون، كما أخبر أنه شاهد من مخبئه رفقا تحضن الطفلين زياد وصونيا، أما في ما خصّ حنة وزوجة ابراهيم دينا، فأكد أنهما بقيتا مرميّتين على الأرض تنزفان حتى فارقتا الحياة ثم شاهد المهاجمين ينقلون الجثمانين، ولم يعرف إلى أين؟
هذه هي المعلومات الوحيدة التي وصلت إلى نبيل نقلًا عن العامل السوري. ورغم كلّ بحثه وتفتيشه لم يصل إلى أيِ خبر آخر حول مصير زوجته وطفلته.
بعد حوالى 3 أشهر، عادت رفقا حرب من طرابلس بعد رحلة عذاب لا يتصوّرها كائن بشري، لتعرف أن والدها سمعان كان من ضمن الأسرى الشكّاويين الذين ضاعت أخبارهم، وأخبرت أنها تركت الطفلين في مستشفى المظلوم في طرابلس.
تابع أهل صونيا البحث عن طفلتهم فاتصلت الأخت لوسيان الشالوحي بأحد مسؤولي الحزب "السوري القومي الاجتماعي" من آل النبوت من أميون، الذي كان عاد إلى بلدته وطلبت تدخّله لمعرفة مصير صونيا.
بعد أيام أبلغ المسؤول القومي الأخت لوسيان بالمعلومات التي وصلته وتقول إنه بعد حوالى أسبوعين على دخول صونيا وزياد إلى مستشفى المظلوم، لم يأت أحد للسؤال عنهما، ولم تعرف إدارة المستشفى ماذا ستفعل بالطفلين؟ فأبلغ الصيدلي الدكتور فرج عزام وهو أحد مسؤولي الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يتردّد على المستشفى لملاحقة شؤون الجرحى والمصابين برغبته في نقل الطفلين إلى منزله في مخيم البداوي، حيث سيبقيهما مع أولاده حتى ظهور أهلهما. والطفلان موجودان في منزل الدكتور فرج عزام في مخيّم البداوي.
بعد حصولها على هذه المعلومات، اتصلت الأخت لوسيان الشالوحي بالمونسنيور أنطون دهمان طالبة تدخّله لإعادة الطفلة، كما أخبرت أهل الطفل زياد، الذين كانوا قطعوا الأمل ببقائه على قيد الحياة.
توجه المونسنيور دهمان برفقة الشيخ عبد الرحيم المحمد رئيس بلدية القلمون إلى مخيّم البداوي لإحضار صونيا وزياد، لكن والد الدكتور فرج عزام رفض تسليمهما من دون أن يتأكّد، أنهما سيعودان إلى أهلهما، فعاد المونسنيور دهمان والشيخ المحمد إلى المخيّم ومعهما بعثة من الصليب الأحمر الدولي وأكدوا لوالد الدكتور فرج بما لا يقبل الشكّ، أنهم بعد التحقيقات الواسعة التي قاموا بها تأكد لهم أن صونيا هي ابنة نبيل العلم التي سيتسلّمها والدها، وأن زياد هو ابن ابراهيم دينا الذي سيتسلّمه عمه القادم من سوريا، لأن والده ما زال يُعالج من إصاباته، فوافق والد الدكتور فرج على تسليم الطفلين.
مطلع العام 1977 وبعد حوالى 6 أشهر على فاجعة 5 تموز 1976، سلّم الصليب الأحمر الدولي صونيا إلى أهلها ومحمد دينا ابن شقيقه زياد الذي توجه به إلى بلدته في سوريا.
وصلت صونيا إلى دير راهبات القديسة تريزيا في أميون وكان ينتظرها والدها وجدّتاها وخالتها الراهبة وعددٌ من الأقارب، وكان المشهد المؤثر فرغم غيابها لحوالى 6 أشهر، وما إن شاهدت والدها حتى ارتمت في حضنه.
أما المشهد الآخر فكان لحظة التقت صونيا برفقا التي أنقذتها من الموت، فصونيا الطفلة التي كبرت 6 أشهر بعيدة من أحبّائها، لم تستغرب رفقا فكأنّ حدسها أنبأها أنها في حضن منقذتها.
في مقابل الفرح الذي عمّ أهل صونيا وزياد بعودة الطفلين سالمين، عمّ منزل الدكتور فرج عزام حزن وبكاء، لا سيّما من قبل أطفاله الذين عاشوا 6 أشهر مع صونيا وزياد وراحوا يطالبون بهما. وبعد أيام قليلة على عودة صونيا إلى أهلها، زارها الدكتور فرج مع عائلته في دير أميون.
أقامت صونيا بعد عودتها لدى خالتها الأخت لوسيان في دير أميون، وتابعت رحلة علاجها، فقد تبيّن أنّ القدم التي أصيبت برصاصة ستصبح أقصر من الأخرى، فخضعت لعدّة عمليات جراحية ونجت من الإعاقة. كما تبيّن للأطباء أن عروق يدها اليسرى كانت مقطعة وأعيد وصلها في مستشفى المظلوم ما أوجد شكوكًا حول أنه تمّ تقطيع العروق لتنزف حتى الموت، لكنّ العناية الإلهية أنقذتها.
تابعت صونيا حياتها وتلقّت تعليمها في مدرسة راهبات القديسة تريزيا في أميون وكبرت وتزوّجت جوزف الحزوري وتقيم مع عائلتها في كوسبا في قضاء الكورة، ولا تزال على علاقة بالدكتور فرج عزام وعائلته.
كما تواصل رفقا حياتها في حي شكّا العتيقة، وحتى اليوم لم تنس لحظة واحدة المأساة التي جرت ذلك الإثنين الظالم، حتى أنها لا تستطيع أن تكمل رواية ما جرى معها.
