لا ييأس الموارنة من حبهم للبنان الكبير، دفعوا في حبهم له الأرواح والغالي والنفيس، من أجل بقائه والمحافظة عليه، مع أنه بالتأكيد سيبقى ولكن ليس بالتأكيد سيبقى كما يريدونه، سويسرا الشرق، سيبقى وطنًا في هذا الشرق ولكن ليس بالتأكيد سويسرا.
قدَّموا على مذبحه القرابين من الشهداء، وبلغت قرابينهم مرتبة القديسين: من شربل إلى رفقا إلى الحرديني إلى أبونا يعقوب إلى الدويهي، وأخيرًا وليس آخرًا، بالتأكيد، الحويِّك.
زاره أكثر من حبرٍ أعظم، ونُصَّ من أجله "إرشادٌ رسولي"، وبلغ العمق الفكري والإيماني بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني أن قال فيه: "لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة".
البطاركة الموارنة كانوا رأس حربة في ولادة لبنان الكبير وفي الدفاع عنه، تعرضوا للاضطهاد فلم يتراجعوا، جاع أبناؤهم فلم يستسلموا، البطريرك الحويك كان بطريرك الجائعين، وصولا إلى البطريرك صفير الذي كان بطريرك المضطهدين، فكتب بخط يده نداء بكركي الذي شكَّل "أمر اليوم الكنَسي" لإطلاق ثورة التحرير من الاحتلال السوري.
اليوم يريد الفاتيكان أن يقول للعالم إن إعجوبة لبنان الكبير هي بموازاة أعجوبة الشفاء، وبرمزيتها يمكن تسجيلها في ملف دعاوى القديسين.
يستطيع الموارنة أن يفخروا بآبائهم البطاركة القديسين تمامًا كما افتخر الفرزدق بآبائه أمام جرير، فخاطبه ببيت من الشعر قال فيه:
"أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ".
وهكذا يقول الموارنة: "أولئك بطاركتي فجئني بمثلهم".
وهكذا يصح قبول التحدي فتُقدِّم كل طائفة أفضل مَن لديها وتفتخر بهم.
السؤال اليوم هو: هل صحيح أن الجميع يقدِّمون اليوم أفضل مَن لديهم؟ هذا سؤال مطروح على كل مَن يصنِّف نفسه أنه من الجيل الذي ينتمي إلى المستقبل ويريد أن يكون مستقبله في لبنان. وهذا يستدعي التعمق في مسار البطاركة والتعمق في حركة الفاتيكان التي لم تغفل الاعتبار السياسي في موازاة الاعتبار الكنسي واللاهوتي، فمسار تقديس شربل كان في عز الحرب، وصولا إلى مسار تطويب الحويك، مرورًا بمسارات تطويب وتقديس رفقا والحرديني وأبونا يعقوب. ويبقى السؤال: إلى كم قديس يحتاج لبنان لإنقاذه؟