للروائي عمر سعيد

«الرقص في سراويل الطفولة» من «إنجيل حارم» للروائي عمر سعيد

6 دقائق للقراءة

ليست الهويّة الحقيقيّة للإنسان مجرّد بطاقة، تصدرها له مراكز التوثيق الأمني، بعد أن تمهرها أصابع الحاكم بتوقيع مؤدلج. إنما الهويّة الحقيقية للإنسان هي تلك الجغرافيا التي تسكن تحت جلده، وتجري في شرايينه، وتنمو في ذاكرته اشتياقات لا تحصى. وعلى الرغم من أفكار أولئك الذين يحملون هويّات أوطان، تجعلهم يكفرون بها، تظلّ الهويّة واحدة من أقسى الدلالات، التي يجابهها الساعون إليها من البدون ومكتومي القيد.


أولئك الذين غاب منهم الكثيرون عن الحياة من دون أن يستطيعوا فعل أو قول أو امتلاك ما يريدون. عاشوا حياتهم يحلمون، وماتوا على أمل أن يتمكّن أبناؤهم من تحقيق ما عجزوا عنه؛ لذا جاءت رواية «إنجيل حارم» للروائي عمر سعيد والصادرة عن «دار سائر المشرق» في بيروت، لتسلِّط الضوء على الهوية في حياة المحرومين منها، وعلى الفرق بين الوطن في ذاكرة الإنسان وبين الوطن على شكل هويّة. 

وقع الاختيار على جو صاحب التجربة الأكبر، فهو من بلدٍ ما زالت أساطير الفينيقيين فيه تتكثّف رغم تقاطر السنين. تحدّث جو عن تجربته في قريته المعلّقة على صدر جبل لبنان في المتن، وكيف انقلب فجأةً من ممرّضٍ إلى مهاجر، يتوجّع من مراكبه، التي لا تقوى على الإقلاع من شواطئ الانتظار، وقال:


أيّام كنت في قريتي كانت السماء تمطر حليبًا، وكانت الأرض تنبت خيالًا. لم أكن قد ولجت في عصر الإيديولوجيات بعد، ولكنّي كنت أعي معنى أن يجوع الفقراء كالكلاب، ليعيشوا كالإنسان. كانت مكتبتي أغنيات الناس الشعبية، يؤلّفها الرعيان في التلال والوديان بشبابات، تُسيلُ الحزنَ على أماسينا الهادئة، وحكايا السهرات سفني، التي أبحرت فيها صوب مدنٍ، لم أرها من قبل.


لم تتعدَ حدود الأرض ركن موقدنا القديم، يتأجّج جمره كلّما هطلت أمطار كانون، ونَدَفَ الثلجُ على حافّة الشباك الوحيد في غرفتنا.

كانت قصرَنا المطلّ على ليالٍ، ما زالت تقيم فينا. أيّام جعلنا من بقايا قماش الوسائد، والدواشك العتيقة سراويلنا، التي تغلّبنا بها على البرد.


لم تكن أمّي تتقن فنّ التفصيل والخياطة، لكنّها عرفت كيف تجعل الدفء، يسري في جسدي ما إن لامسته بذلك القماش.

لم أكن أعرف أيّامها معنى الإنسانية، لكنّني كنت أعيه في ما تبقّى من بقايا أسنان في أفواه النساء العجائز. كنّ يبتسمن لنا نحن الأطفال على الرغم من كلّ ذلك الحرمان، يمددن أكفّهنّ الخشنة بالزبيب والقضامة والتين اليابس. لقد صدرت عن تلك الخلطة السحريّة أولى مفردات قاموسي الإبداعي.


كانت الصداقة تشبه كثيرًا تفاصيل أبواب البيوت الخشبية البسيطة، تلك التي تشكّلت من ألواح طوليّة تثبتها بضعة ألواح عرضية، تحملها فصّالتان صنعهما الحدّاد العربي، الذي كنا نسمّيه السقّى. نحكم إغلاق الباب ليلًا بمفتاح، كانت تضعه أمي في حوض الزهور، حتّى إذا ما عاد أحدٌ منّا عرف مكانه.


كان كلّ بيت في القرية بيت القرية كلّها، لقد خوت بيوتنا من أشياء كثيرة إلّا من الحبّ. كانت أبوابها الخشبية تشفق علينا من البرد، فتتمدّد بفعل المطر والرطوبة، لتسدّ كلّ شقوقها في وجه والريح.

كانت أمهاتنا يخبئن ثروات الأسرة في أكياس، تندس بين أثدائهنّ. كانت صدورهنّ بنوكنا وحقولنا، وسماواتنا التي تمطر حليبًا.


نقضي الصيف في بحارنا الصغيرة، تلك التي أقمناها على شكل خزّانات تروي حواكيرنا، كانت ملعب طيورنا وزهورنا، وأحواض عطش مواشينا، وموارد مياهنا العذبة لكلّ مسالك الحياة.

كانت ملعقة الطبخ الخشبية تطعم مؤخّراتنا أكثر ممّا تُطعِم أفواهنا، كلّما ازدحمت في نفوس أمّهاتنا هموم الحياة.

لم يكن في قريتنا شاعر عظيم، لكنّها كانت ملأى بالخيال والشاعرية وفضاءات الإبداع؛ لذلك لم نحتج لكتابة القصائد، كنّا نعيش في بطونها.


كان الحبّ في قريتي موائد كلّ المناسبات، وكانت أمعاء الناس أعينهم، تشبع قبل أن تمتد يدٌ إلى الطعام.

كانت أحزاننا وسائد لا نستبدلها؛ وفاءً منّا لمن أوجعونا، وإذا أقبلت الأعياد، كنّا ننام على صور أحبّتنا الذين نظلّ نفكر فيهم طوال أماسي تلك الأعياد.

لقد كانت قريتي المدينة والقصيدة والحبيبة، وكنت فيها أميرًا من دون قصرٍ، أو حاشية، أو غِوان.


ثمّ راح يفسّر لهما ثلاثيّة الفقر، والحبّ، والإبداع؛ قائلًا:

إنّها ثلاثيةٌ علّمتني كيف أفتح في جسدي ثقوبًا؛ ليخرج منه الفقر، ويدخل فيه الحبّ نسمات، تؤجّج في طيني نار الإبداع المقدّسة. ثلاثيةٌ جعلتني أحمل الماضي على كتفي كصخرة سيزيف. أنوء تحت ثقلها، وأعجز عن إنزالها، وأظلّ أمشي بها هربًا من وديان الفقر، علّي أصعد قمم النور التي تمكّنني من الصراخ وحيدًا هناك، ولكم سقطت تحت صخرتي، لأستفيق على فمي الذي امتلأ بالتراب عوضًا عن الصراخ، فأنشغل في تنظيفه إلى أن تهدأ نفسي، وأتذكّر فقري الذي ألبسه كجلدي، وما عاد يليق بي سواه.


حوّلني الحبّ إلى مسيح، علّقَتْه تجاربُه على صليب الشوق المشتعل، حتّى غدت كلّ مساميره التي دقت في جسدي أنابيب نور، تصل روحي بالسماء، فأتدلّى منها كما لو أنّني من شخصيّات مسرح العرائس، تحرّكها خيطان تدلّت من علٍ كلّما أراد السمّار حكايا، وتلتف حول عنقي، بعد أن تطويني أصابع المشخصّاتي، ليضعني في كيسه القماشي.


حوّلني الإبداع إلى صيّادٍ، لا يملك زوارق ولا مجاديف. تمكّنه من السفر بعيدًا؛ ليعود إلى أطفاله الجوعى ببعض الأسماك، وبقيت أعوم على الشطآن، أخاطب الموج بكفّي، وأرسم على رماله سمكة كبيرة، لم تصطدها صنارتي يومًا، وبقي الإبداع جدراني التي أعلّق عليها أحلامي كلّ صباح، قبل أن أغادر غرفتي؛ لأرتديها ليلًا كلّما تسلّق النوم جسدي، وأنا الذي ما أشعلت نارًا في روحي إلّا من حطب أعصابي وزيوت دمي الملتهبة بحمى الوصول، وقد كان الطريق ذا بداية عرفتها، وهيهات لي أن ألمح نهايته قبل شواهد القبور! أمّا الفقر، فما كنت أعلم أنّ لجوعه هذا العمق السحيق في عالمي الجوّاني، فكلّما فررت من عمقه، أزدادُ غورًا، فكأنّي أفرّ عمقًا لا صعود منه صوب حوافّي، التي باتت أعلى من أكفّي الممتدّة. تستطيل بأصابع قدمي، تنتصب عشقًا للخلاص، وكما يبدو لي فإنّ الفقر نفقٌ، يمتد من أوّل عتمة الأرحام إلى آخر ليل القبور، ولكم رأيت في طريق الفرار منه أرواحًا، سجّاها الوهن والعجز، وخذلتها أقدامها في بداية المسافات.


لم أحبّ الفقر، ولكن لم أقوَ على محاربته، فقد بقيت أشمّه في ملابسي الرثة، وفي بقايا روائح الماضي الحميم، وها أنا ذا أخلط بين الحبّ والفقر والإبداع؛ لأنّ هذه الثلاثية هي الوحيدة التي مكّنتني عن طريق الوجدان من انتفاخات خوابي العجز في مخيّلتي، تلك التي كنت أصبّ فيها حرماني، لأسكبه اليوم محاولات، قد لا تلامس الضوء، ذلك الخزّان المليء بحكايا الليالي البيضاء والسوداء على السواء. المليء بموسيقى الحبّ والحرب والموت. المليء بألوان الطيف والحزن والفرح. المليء بكائنات، تأبى أن تغادر جراحنا التي تستوطنها سكاكين، ركّزها الزمن في خرائب هذا العمر المبكي، وبين قريتي وثلاثية الحبّ والفقر والإبداع؛ نصبت حبالًا من المحاولات التي لن تنتهي، فكلّما دنا منّي سقوط؛ أمسكتْ كفّي سماء.