ليست كل الجراح مرئية، فبعضها لا يُكشف في تقارير الطب، ولا يُعرض في جلسات المحاكم. بعضها يسكن في النظرات، في رعشة الصوت، في كسر الثقة بالنفس، في الهزيمة التي يتذوّقها إنسان حين تُهدر كرامته قبل أن يُمنح حق الدفاع، ويُجرَّد من صورته وصدقه، فقط لأن البعض قرر أن يتهمه… من دون أن يعرفه. نعم، في لبنان، ما زلنا نعيش في بلد تُنتقى فيه العدالة، وتُجزّأ فيه الكرامة، وتُوزّع التهم على الشاشات قبل أن تصدر عن القضاء. وفي هذا المشهد الحزين، لا أتحدّث اليوم عن موضوع قضائي فحسب، بل عن قضية إنسان.
جاد غاريوس لم يكن مضطرًا ليعود. كان في الخارج، مستقرًا، بعيدًا عن الطوابير والانهيارات والتقلبات، وكان بإمكانه، بكل بساطة، أن يُدير ظهره لهذا البلد كما فعل كثيرون. لكنه عاد لأنه يحبه. ولأنه يؤمن ويحلم بأن النهوض ما زال ممكنًا. جاء ليستثمر في بلد هرب منه المستثمرون، وجاء ليثبت أن النجاح في لبنان يمكن أن يكون ثمرة تعب ضمن الأطر القانونية.
فجأة، يجد هذا الشاب نفسه موقوفًا مع سيل من الشائعات البشعة وصورته تُقطع على منصات التواصل كما لو أنه وحش، لا إنسان. فأين القانون؟ أين مبدأ: المتهم بريء حتى تثبت إدانته؟ أين كرامة الإنسان حين تُهان هكذا، من دون محاكمة ولا من يستمع؟ ومن يُداوي ما انكسر في داخله؟ من يُعالج تلك الندبة التي تتركها يد العدالة حين تضرب قبل أن تتأكد؟
نحن لا نطلب من القضاء أن يتغاضى أو يتهاون. نترك له أن يأخذ مجراه، كاملًا، بكل احترام للمسار المؤسساتي. لكن في المقابل، على القضاء أيضًا أن يحترم الإنسان، أن يعي أن الوقت الذي يقضيه شخص بريء موقوفًا هو وقت لا يُسترجع. أن الجرح النفسي لا يشمله الحكم النهائي، ولا يُمحى بقرار براءة بعد حين. فالموقوف ليس وحده من يتألم، بل أهله، محبّوه، الذين يرون فيه صورة رجل مستقيم أُهين قبل أن يُسمع.
وقد يقول البعض: "القضية تتعلق بالكازينو وألعاب الميسر"، وكأن ذلك يختصر كل شيء. وأنا أقول: سواء أحببتُ هذا النوع من النشاط أم لا، فليس هذا هو المعيار. بل المعيار هو القانون. والحقيقة أن مؤسسة "بيت آرابيا"، بإدارة جاد، أثبتت أنها تتولى هذا القطاع الحساس بأقصى درجات الضبط، بما يعود بأرباح مثبتة بالأرقام على الدولة اللبنانية، لا على جيوب النافذين. أثبتوا أن الإدارة القوية ممكنة، حتى في أكثر القطاعات تعقيدًا. فلماذا يُحاسَب من ينجح؟ لماذا يُعاقَب من يعمل في الضوء؟
في النهاية، لا نكتب دفاعًا عن كازينو، ولا عن لعبة، بل عن إنسان. عن شاب آمن وحلم. عن كرامة سُحقت، وسمعة جُرحت، ووجدان تشوّه تحت سطوة العناوين العريضة. فمن يرمّم ما تهدّم في النفس؟ من يُعيد الثقة إلى شاب شعر أن بلده خانه؟ من يُنصفه أمام عائلته، أمام محبيه، أمام الناس الذين أحبهم وخدمهم؟ ومن يجرؤ أن يُدين قلب إنسان من دون أن يعرفه، فقط لأنه نجح في وطن لا يحتمل نجاح من لا يحتمي بأحد؟
من سيجيب عن هذه الأسئلة؟ ومن سيُعيد لهذا البلد روحه، إذا استمرّ في كسر أولئك الذين أرادوا أن يداووه؟