بشارة جرجس

زيارة توماس برّاك: الرسالة وصلت... لكن البعض يرفض فهمها

8 دقائق للقراءة

وصل الموفد الرئاسي الأميركي توماس برّاك إلى بيروت في 7 تموز 2025 في زيارة حساسة تهدف إلى الحصول على رد رسمي لبناني على ورقة قدّمها خلال زيارته السابقة في 19 حزيران. هذه الورقة تحمل خارطة طريق أميركية لمعالجة أزمة سلاح حزب الله في لبنان، وتقترح نزع سلاح الحزب بالكامل خلال سقف زمني مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من مواقع تحتلّها في الجنوب ووقف الغارات الجوية الإسرائيلية.



وبالفعل، استبقت الرئاسات الثلاث وصول برّاك بعقد اجتماع في قصر بعبدا بين رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة لتوحيد الموقف الرسمي اللبناني وتنسيق مضمون الرد الذي سيُسلَّم للموفد الأميركي. هكذا، وبضغط الموعد الأميركي، التأم شمل المسؤولين اللبنانيين لتأكيد وحدة موقف شكليّة قُبيل اختبار دبلوماسي صارم.

كما نقلت مصادر مواكبة للمفاوضات، فقد اشترط الرد اللبناني وقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي احتلّتها خلال الحرب الأخيرة، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل. في المقابل، تعهّد الجانب اللبناني بتنفيذ البيان الوزاري لحكومته بحذافيره، أي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية دون سواها.


هذه النقاط تشكّل خلاصة الرد الذي أعدّه اللبنانيون على مقترحات برّاك. لكن، وعلى الرغم من ظهور موقف رسمي لبناني موحّد ظاهرياً، إلا أن هذا التوافق أتى تحت وطأة الضغط الخارجي أكثر منه نتيجة قناعة داخلية راسخة. فلم تسارع السلطات اللبنانية إلى المصادقة الكاملة على ورقة برّاك الأميركية، بل سلّمته مذكرة من سبع صفحات تضمّنت ملاحظات وتعديلات لبنانية ستقوم واشنطن بدراستها والرد عليها لاحقاً.


بهذا المعنى، بدا أنّ السلطة اللبنانية تتفادى الحسم الواضح، إذ أحاط الغموض موقفها الرسمي حيال بند تسليم سلاح حزب الله الذي تدعو إليه الورقة الأميركية.


هذا الغموض انعكس في تصريحات المسؤولين بعد الاجتماعات، فرئيس الحكومة نواف سلام مثلاً شدّد في مؤتمر صحافي عقب لقائه برّاك على وجوب إطلاع الرأي العام اللبناني على مسار التفاوض الجاري في "غرف مغلقة" حول ورقة برّاك، نافياً في الوقت نفسه إعادة إحياء ما يُعرف بـ“الترويكا” (أي تحكّم الرؤساء الثلاثة بالقرارات خارج الأطر الدستورية) بقوله الصريح: "لا توجد ترويكا… ما يلزم لبنان وفقاً للدستور هو مجلس الوزراء وحده".


عكس تصريح سلام هذا إدراكاً ضمنياً لخطورة تهميش المؤسسات الدستورية في مثل هكذا قرارات مصيرية. لكن، في المقابل، عبّر بعض الوزراء عن أن التعامل بـالكتمان مع ورقة برّاك غير مقبول ويثير المخاوف، إذ كان الأجدى عرضها على مجلس الوزراء عملاً بالدستور الذي ينيط السلطة الإجرائية بالحكومة مجتمعة.


إن إبقاء هذه الورقة المصيرية حبيسة المداولات الضيقة بين الرؤساء الثلاثة فقط، ودون شفافية، يبعث برسالة سلبية عن أداء الحكم في لبنان. فهو يوحي بأن هناك أمراً خفياً يجري تمريره بعيداً عن أعين المؤسسات الدستورية والرأي العام، خصوصاً أن المطروح يمسّ سيادة الدولة واحتكارها للسلاح.


ولا يخفى أن شبح الترويكا لطالما كان مرادفاً لضعف المؤسسات في التجربة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، حيث تُختزل الدولة في غرفة صغيرة يُغلق بابها على قلّة من النافذين.

يكشف التمعّن في آلية صياغة الرد اللبناني على مقترحات برّاك عن استمرار نهج المحاصصة الفئوية حتى في أخطر الملفات السيادية. فرغم حرص الرؤساء على إظهار وحدة الصف رسمياً، كان حزب الله عملياً شريكاً خفياً على طاولة القرار. علماً أنّ الحزب نفسه هو أصل المشكل، وبدا رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه يتولّى نقل ملاحظات واعتراضات حزب الله إلى الموفد الأميركي خلال لقائهما، واضعاً نفسه في موقع المفاوض بالنيابة عن الحزب حرصاً على “تجنيب لبنان الحرب”.


بعبارة أخرى، صار الثنائي الشيعي جزءاً لا يتجزّأ دون سواه من معادلة القرار الرسمي، ولو من وراء الستار، مما يطرح تساؤلات حول استقلالية القرار اللبناني إذا كانت السلطة تحتاج مباركة قوة أمر واقع مسلّحة قبل أن تتخذ موقفاً سيادياً.


لقد أضافت السلطة اللبنانية إلى ردّها المكتوب بنداً صريحاً يؤكّد تمسّك الدولة بحصرية السلاح الشرعي على كامل الأراضي اللبنانية، وذلك انسجاماً مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري. كما شدّدت المذكرة الرسمية على الالتزام الكامل بالقرار الدولي 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية، وعلى جمع السلاح غير الشرعي الفلسطيني واللبناني.


هذه التعديلات جاءت نتيجة تواصل دقيق وتشاور بين الرؤساء الثلاثة وحزب الله، ولا سيّما عبر قناة الرئيس برّي، الأمر الذي انعكس على مضمون الرد النهائي.


بذلك، حاولت الدولة إظهار عزمها على بسط سيادتها، ولكن من دون استفزاز الحزب. فالكل يدرك أن حزب الله لا ينوي تسليم سلاحه بالكامل في المدى المنظور، بدليل إعلانه المتكرّر عن حاجة لبنان لقدراته الدفاعية بوجه إسرائيل.


بل إن أقصى ما يُطرح ضمنياً هو حصر وجوده المسلّح جنوب نهر الليطاني مع إبقاء سلاحه شمال النهر رهن "الحوار" الداخلي الطويل الأمد.


وعليه، جاء الرد اللبناني بمثابة تسوية داخلية دقيقة: يطمئن مخاوف المجتمع الدولي نظرياً بالحديث عن سيادة الدولة وحصرية السلاح، لكنه بين السطور يراعي الخطوط الحمراء للحزب عبر تجزئة قضية السلاح إلى مراحل وجبهات.


تعكس زيارة توماس برّاك وما رافقها من ترتيبات ضعف السلطة اللبنانية في اتخاذ أخطر القرارات. فأن يُصبح نزع سلاح ميليشيا داخلية ملفاً تتداوله عواصم العالم وترسله واشنطن مع موفد خاص إلى بيروت، فذلك مؤشّر واضح على أن اللبنانيين لم يتمكنوا من حلّ أزماتهم بأنفسهم.


لقد جاء برّاك حاملاً إنذاراً مبطّناً: إمّا أن يتولّى اللبنانيون بأنفسهم مهمة إنهاء حال ازدواجية السلاح وفق مهلة محددة وخطة مرسومة، وإلّا فإن إسرائيل ستتكفّل بالأمر على طريقتها. ونُقِلت معلومات عن البيت الأبيض تأكيداً حازماً بأن لا عودة إلى الوراء في مشروع تجريد حزب الله من ترسانته، ليس في جنوب الليطاني فحسب بل على امتداد الجغرافيا اللبنانية بأكملها. أي أن المطلوب أميركياً هو إنهاء ظاهرة حزب الله العسكرية كلياً، ومعها كل سلاح خارج الدولة.


هذا التطابق في الموقف الدولي يعني أن هامش المناورة أمام الطبقة السياسية اللبنانية يكاد يكون معدوماً، فإمّا الانخراط في تنفيذ هذه الأجندة بشروطها الزمنية المحددة، أو مواجهة تصعيد عسكري إسرائيلي قد يعيد لبنان إلى أتون الدمار.


من الواضح أن السيادة اللبنانية الجوفاء وعجز المؤسسات شَكَّلا التربة التي نمت فيها الرمادية وعدم القرار. فبينما يؤكّد المسؤولون لفظياً أنهم أصحاب القرار، نجدهم عملياً يتلقّون خارطة طريق جاهزة من واشنطن لحل معضلة داخلية مزمنة.


وبرّاك نفسه، رغم لباقة خطابه وحرصه على تغليف رسائله بعبارات الدعم للبنان، لم يتوانَ عن تذكير اللبنانيين بأن الكرة في ملعبهم الآن وعليهم استغلال "الفرصة المتاحة" سريعاً قبل أن يفوت الأوان. قالها برّاك بوضوح بعد لقاءاته: إذا لم ترغبوا في التغيير فهذه مشكلتكم، لكن المنطقة بأسرها ماضية بسرعة فائقة وستتخلّفون عن الركب.


وهكذا وجد لبنان نفسه أمام لحظة حقيقة: إمّا اتخاذ إجراءات… وإلّا. فواشنطن ليست مستعدّة لانتظار مزيد من المماطلة، ولا اللبنانيون سيقبلون بنصف حلول تهدّد ما يعتبرونه مكسباً لمصالحهم. لكن بتفس الوقت فإن الداخل اللبناني منقسم ومشلول الإرادة، ولم يَعُد أحد مستغرباً أن يتولّى الخارج دقّ جرس الإنذار ووضع خريطة الخلاص.


في المحصّلة، حملت زيارة توماس برّاك إلى بيروت رسائل بالغة الأهمية قرأها اللبنانيون بين السطور. فهي من جهة أتت كفرصة تاريخية نادرة يُقال للبنان فيها: انطلقوا نحو السلام وضعوا خلافاتكم جانباً لاستعادة مجد لبنان. لكنها من جهة أخرى، عكست صورة مريرة عن واقع الطبقة السياسية اللبنانية.


هذه الطبقة التي لا تجتمع إلّا تحت ضغط موفد أجنبي، ولا تجرؤ على الحسم إلا بقدر ما تسمح به توازنات السلاح.


كشف برّاك في مؤتمره الصحافي شيئاً من حنينه الشخصي لوطن الأرز، لكن أداء المسؤولين اللبنانيين أمامه كرّس حقيقة أن لبنان لا يزال أسير نظامه (اتفاق الطائف) والولاءات المتشابكة.


فالدولة بدت ضعيفة تستجدي الضمانات من الخارج مقابل القيام بواجباتها السيادية البديهية، والمؤسسات الدستورية همّشتها حلقات التسويات الخلفية بين أهل السلطة حفاظاً على التوازنات الهشّة.


لقد وضع الموفد الأميركي الجميع أمام امتحان مصيري: إمّا أن يتصرّفوا فعلاً وينهوا حالة ازدواجية السلاح، وإمّا فإن القطار سيفوتهم وستفرض التطورات نفسها بقسوة. وفي كلتا الحالتين، بات واضحاً أن مرآة برّاك عكست للبنانيين واقعهم من دون تجميل: واقع فشل اتفاق الطائف والضعف المؤسساتي والسياسي المتجذّر.


فإذا أرادت المكوّنات اللبنانية حقاً تغيير هذه الصورة القاتمة، فالمطلوب صحوة شاملة وتحمّل للمسؤولية لبدء النقاش في نظام فدرالي بعيداً عن منطق الشيطنة والمؤامرات. وإلّا، فإن السؤال سيبقى مفتوحاً: ماذا نفهم من توماس برّاك؟ نفهم أنّه في ظل اتفاق الطائف والتنازع على القرار، ستظلّ الجغرافيا اللبنانية بقعة من النزاعات والأزمات والحروب وأمل ضائع، ما دامت طبقتنا الحاكمة عاجزة عن فهم أبسط دروس التاريخ والحكم، وعن استيعاب تنوّع ثقافات اللبنانيين عقائدياً وفي نمطَ عيشهم.