وائل خير

فليسعف النطق إن لم تسعف الحال

4 دقائق للقراءة

أهم أحداث الأيام الأخيرة زيارة خاطفة لتوم براك مبعوث الرئيس الأميركي لتسلم الرد اللبناني ذي السبع صفحات على 15 بندًا تضمنتها مقترحات الرئيس الأميركي الذي وصل السلطة اللبنانية في 19 حزيران.



كان للمبعوث الأميركي لقاء مع الصحافيين في القصر الجمهوري وصف فيه اجتماعه بالرئيس عون بأنه كان «جيدًا جدًا. «اتسّم اللقاء بالصحافيين بأنس ودعة من قبل براك، باستثناء خروج عن الطور لوهلة بسبب مقاطعة كلامه. أثنى المبعوث على الرد اللبناني مع اعترافه بأنه لم يتسنَ له الاطلاع على محتوياته. لا شك أن مستشاري براك أحسنوا إعداد المقابلة إذ خاطب اللبنانيين بما يطربهم سماعه عن عظمة وطنهم «لؤلؤة المتوسط» و»الجسر بين الشرق والغرب» لكن ما أثار قلق الكثير هو غياب دور المجتمع الدولي في إيجاد حلول للمعضلة اللبنانية في حين أن الديناميكية الداخلية، ظاهريًا على الاقل، لا تشير إلى أي تقارب أو تراجع في موقف «حزب الله»، من أمينه العام بالوكالة حتى ذبابه الإلكتروني. بل إن موقفًا قد يكون رسميًا تناقله الإعلام بأن «حزب الله» طلب من السلطة اللبنانية أن تجيب على مقترحات الرئيس ترامب باسمها فقط دون الزامه بما ترفع. لكن القطع في موقف «الحزب» بأي اتجاه سابق لأوانه إذ كيف نأخذ جدّيًا موقف مجموعة سياسية «الكتمان» و»التقّية» في صلب إيمانها الديني. إضافة إلى أن إيران، صاحبة القرار، تدرك انها ما تزال تملك ورقة إن احسنت التصرف بها لاستعادت مع الزمن خسارات فادحة لحقت بها في حرب الـ 12 يومًا. ورقتها الاخيرة وربما الحاسمة، قوامها الوقت. لا تحسم الحروب بإيقاع خسائر على الأعداء إن لم يتبعها سيطرة على الارض. وأميركا منذ الحرب العالمية الثانية وجزئيًا الحرب الكورية، ربحت المعارك لكنها خسرت الحروب إذ لم تتحمّل حماية انتصاراتها فانسحبت بأشكال مذلة من فيتنام، فالعراق، فأفغانستان. ثم إن إيران تدرك ما لا يفوت أحد في المجتمع الدولي، هو موطن ضعف في الأنظمة الديمقراطية التي تخضع دوريًا لانتخابات لتجديد ولاية من هم في الحكم أو استبدالهم. طهران تدرك أن سطوة ترامب مشتقة من مركز يوليه سلطات واسعة لأجل معلوم كما ان سلطته خلال فترتها تبقى رهينة كل طارئ يضعفها أو ربما يقوّضها: فضيحة مالية، عنف يتعدى ما يمكن قبوله في قمع تظاهرة ليست بالضرورة سلمية، أزمة اقتصادية وغيرها كثير يمكن أن تضعف ولايته وربما اضطرته إلى الاستقالة. ثم هناك انتخابات جزئية بعد عام ونصف. من يضمن فوز حزبه بها؟ وإن فاز الحزب الجمهوري، فبأقل من سنتين انتخابات رئاسية ربما قلبت التوازنات إن اختار الأميركيون رؤساء كبايدن أو أوباما من يدري؟



ثمة سؤال منطقي. ألا يعرف الأميركيون هذه المواعيد ومخاطرها؟ لم لا ينهون أمر حكم الملالي بعد اثباتات مذهلة عن ضعفه وتفككه وهزائمه؟ أميركا تدرك ما لم يعد سرًا على أحد أن انهيار حكم إيران من الممكن جدًا أن يؤدي إلى تفتت الدولة الإيرانية المتعددة الأعراق واللغات والأديان التي تصلها بكل من جاورها من عرب وكرد وأذريين وباشتون وتركمان وحتى أرمن كلها امتدادات متبادلة بين إيران و جوارها. ثم هناك تداخل اراضٍ واتفاقيات ري قلما تقيّد الأقوياء بها. فمن مصلحة أميركا الإبقاء على نظام يجمع هذا الشتات بعد أن تخصيه، ولو لحين. خاصة وانها أخّرت حيازته سلاحًا نوويًا. لكن السؤال الجوهري الذي يتعلق بمصيرنا كلبنانيين ليس بما يحدث خارج حدودنا بل ببنية داخلية تشل كل قرار جوهري. ما هو مصيرنا إن قنط المجتمع الدولي من جدوى مساعدة دولة تضم شعوبًا متناحرة متقاتلة تلتمس الخارج لتصفية حسابات الداخل؟



لو كان لبنان بوضعه الحالي جزيرة في محيط شاسع لترك حتمًا لمصيره باستثناء تأمين ما تتطلبه الحدود الدنيا لتأمين بقاء شعبه على قيد الحياة. سبب اهتمام العالم بنا ليس لقيمة لنا بل لموقعنا الجغرافي وبالتحديد جوارنا إسرائيل وعدم بعدنا عن مراكز الثروات الطبيعية التي تغذي الاقتصاد وحاجات المجتمع الدولي.



ليس محل شك بأن الشعب اللبناني إلى شمال إسرائيل يدرك هذه الورقة الرابحة التي إن أحسن استعمالها أخضع سائر شعوب لبنان لإرادته. ما عليه إلا التظاهر بعكس ما يضمر من عداء ومن «هيهات منا الذلة» واستمرار الاحتفالات بالانتصارات المتتالية وكلها، ليست لقناعة بصحتها إذ تشرده وتدمير منازله وبوار أراضيه أبلغ دليل على هزيمته، بل هي جميعًا لتحسين وضعه التفاوضي مع إسرائيل على عدد من المواضيع، سلامة الحدود جزء منها، لكن الثمن الرئيسي الذي يتوخاه يبقى السيطرة على لبنان.