جوزيف حبيب

ترامب يُعنّف بوتين: لا يفهم سوى لغة القوّة

5 دقائق للقراءة
الرئيس الأميركي غاضب من نظيره الروسي (رويترز)

اصطدم الرئيس ترامب، كما كان متوقعًا، بـ "حائط إمبراطوري" منيع خلال محاولاته الحثيثة لوضع حدّ للغزو الروسي لأوكرانيا. لم يستسغ الرئيس الأميركي مماطلة الرئيس بوتين وخدعه وشرائه الوقت بالتوازي مع دفعه، بكلّ ما أوتي من قوّة، في اتجاه تحقيق مكاسب ميدانية ولو بكلفة بشرية ومادية عالية. جعلت سياسة المراوغة التي ينتهجها الكرملين، ترامب، المعروف باعجابه بشخصية بوتين، يخرج عن طوره ليُعبّر علانية عن عدم رضاه وغضبه من نظيره الروسي، وجاهر بالحقيقة، ولو متأخرًا، حين قال خلال اجتماع وزاري في البيت الأبيض الثلثاء: "يلقي علينا بوتين الكثير من الهراء... إنه لطيف للغاية طوال الوقت، لكن يتضح أن كلامه لا معنى له"، ملوّحًا بسيف العقوبات القاسية على روسيا وداعميها.


يُعبّد ترامب الطريق أمام نهج جديد في طريقة مقاربته الاستراتيجية للملف الأوكراني، بعدما توصّل إلى استنتاج بسيط وأساسي في آن غداة مكالمته مع بوتين الخميس الفائت، وهو أن "القيصر" الروسي لا يفهم سوى لغة القوّة، فيما تبقى مصالح أميركا فوق كلّ اعتبار بطبيعة الحال. وعلى عكس ما حصل مع الرئيس الروسي، أجرى ترامب مكالمة بناءة مع نظيره الأوكراني بعد يوم من تواصله مع بوتين، وصفها زيلينسكي بالأفضل والأكثر انتاجية بينهما. تسابق القيادة الأوكرانية الزمن لاستثمار نفاد صبر ترامب من بوتين لتكثيف توريد الأسلحة الدفاعية والهجومية الضرورية لوقف المدّ الروسي وحماية البنى التحتية الحيوية والمدنيين، ولرؤية موسكو تتعرّض لضغوط موجعة تحت وطأة جولة جديدة، طال انتظارها، من العقوبات الأميركية المرتقبة على أحرّ من الجمر في كييف.


كان هدف ترامب الأساسي وقف الغزو الروسي لأوكرانيا بسرعة فائقة، إلّا أن تعقيدات الحرب الروسية - الأوكرانية، الجيوسياسية والجيوثقافية والجيوإثنية، إن صحّ التعبير، وإصرار موسكو على تحقيق كلّ أهداف عدوانها على جارتها، فضلًا عن تصميم كييف الراسخ على استمرارها بالمقاومة ورفضها الاستسلام... حالت دون نجاح جهود ترامب لوضع الحرب أوزارها. صحيح أن قائد "العالم الحرّ" لم يُبدّل رأيه بأن هذه الحرب يجب أن تنتهي بأسرع وقت ممكن، بيد أنه سئم من استخدام نفس الوسائل غير الناجعة لإنهائها واستخلص أن الوقت حان لاعتماد أسلوب مختلف لتحقيق الغاية ذاتها، ولو أدّى ذلك إلى سلوك مسار محفوف بالمخاطر قد يكون طويلًا وأكثر تعقيدًا.


تحرص موسكو، بشكل شبه يومي أخيرًا، على تحطيم أرقامها القياسية السابقة لعدد الطائرات المسيّرة التي ترسلها إلى مدن أوكرانيا وقراها، لانهاك دفاعات كييف الجوّية بالتزامن مع توجيهها ضربات صاروخية مدمّرة، بينما تتقدّم قوّاتها على الأرض بشق الأنفس متكبّدة ضريبة دم باهظة للغاية. وما يؤكد عزم الكرملين على التغوّل أكثر في حربه التوسعية، زيارات "استجداء الدعم" المتتالية لرئيس مجلس الأمن القومي الروسي سيرغي شويغو لبيونغ يانغ هذا العام، كان آخرها في الشهر الماضي، علمًا أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سيزور كوريا الشمالية هذا الأسبوع لتوطيد العلاقات العسكرية بين البلدَين المرتكزة أصلًا على اتفاق عسكري شامل يتضمّن بندًا للدفاع المشترك، وقّع قبل نحو عام وكلّف بيونغ يانغ حتى اللحظة مئات القتلى وآلاف الجرحى من جنودها الذين قاتلوا في كورسك الروسية.


تنتظر روسيا الغارقة في الرمال الأوكرانية المتحرّكة من حليفتها الشيوعية إرسال المزيد من الجنود والأسلحة لرفد جيشها المنهك بمساعدات هو بأمسّ الحاجة إليها. وسط هذه الظروف، يرى الخبراء أن أكثر ما سيوجع موسكو وشركاءها التجاريين الذين يُموّلون آلة حربها بطريقة غير مباشرة، يكمن بأن يُبصر مشروع القانون الذي يرعاه السيناتوران الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطي ريتشارد بلومنتال، النور قريبًا، وهو يهدف إلى معاقبة الدول التي تتعامل تجاريًا مع موسكو وفرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المئة على تلك التي تشتري النفط والغاز واليورانيوم وغيرها من الصادرات الروسية، ما سيؤثر بشكل مباشر، خصوصًا على الصين والهند، اللتين قد تتوجّهان إلى مصادر بترولية أخرى بديلة لتفادي العواقب الاقتصادية الجسيمة، ولا سيّما أن بكين توصّلت إلى اتفاق تجاري مع واشنطن، في حين تقترب نيودلهي من إبرام صفقة مماثلة.


كما يمتلك ترامب "ورقة" الأصول الروسية المجمّدة (نحو 300 مليار دولار) في المصارف الغربية، التي يستطيع "اللعب" بها أمام موسكو متى دعت الحاجة إليها. يجتمع "تحالف الراغبين" افتراضيًا اليوم بين لندن وروما، التي تحتضن مؤتمرًا حول إعادة إعمار أوكرانيا، سيُشارك فيه زعماء ومسؤولون غربيّون، بينهم زيلينسكي والمبعوث الأميركي كيث كيلوغ، اللذان التقيا الأربعاء. تضغط كييف على حلفائها لزيادة دعمهم الحيوي لصمودها في وجه أنياب روسيا العسكرية وأطماعها التاريخية. أصبح الأوروبّيون أكثر حزمًا في رسم خطوطهم الحمر المتعلّقة بالملف الأوكراني، فالخطر وجودي بالنسبة إليهم والحرب تدور رحاها على الأراضي الأوروبّية وسط مخاوف من تمدّد رقعتها مستقبلًا.


لكن عين كييف تبقى شاخصة نحو البيت الأبيض وسياساته المتوقعة تجاه الكرملين، فالثقل السياسي والدبلوماسي والتجاري والمالي والعسكري لأميركا وحدها يفوق كلّ الدول الأوروبّية مجتمعة. تعتبر الولايات المتحدة "العمود الفقري" لحلف "الناتو"، حتى أنه يمكن الجزم بأن لا وجود للحلف بلا أميركا. تراهن أوكرانيا على نهج أميركي مغاير يضيّق الخناق حول "العنق الاقتصادي" لموسكو، ويسعف كييف ويساندها على الصعد كافة، بالتعاون مع الأوروبّيين، للوصول إلى "تسوية عادلة وشاملة" تحفظ سيادة أوكرانيا واستقلالها ضمن ترتيبات أمنية صارمة تقيها شرّ "الدبّ" المجاور لها ومخالبه الجارحة. بيد أن أي اتفاق محتمل، لكي يوقّع ويدوم لفترة معقولة نسبيًا، عليه أن يُراعي كذلك هواجس روسيا وأمنها القومي، ويؤمّن حقوق الأقلية الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبها.