كرة السلة في لبنان لم تكن يومًا مجرّد لعبة، بل تحوّلت عبر السنوات إلى هوية، وإلى مساحة نادرة في هذا البلد المنهك، تُوحّد الناس حول عشقٍ واحد، وولاءٍ لا يُشترى. في وطن تكثر فيه الانقسامات والخيبات، تأتي كرة السلة كقصة نجاح تُكتب على المدرّجات، وتُترجم على أرض الملعب بحماس لا يعرف الحدود.
هذا الموسم، ومع نهائي يجمع بين الحكمة والرياضي، تعيش اللعبة واحدة من أجمل محطاتها. السلسلة المنتظرة لم تُخيب الآمال لا فنيًا ولا جماهيريًا، بل شكّلت مشهدًا يُدرَّس في الروح الرياضية، والالتزام، والانتماء الحقيقي.
في قاعة صائب سلام في المنارة، وبين جمهور الرياضي المميز، خاض فريق الحكمة مباراة نارية، وخرج منتصرًا للمرة الأولى هناك منذ عام 2016. لكن اللافت لم يكن فقط الفوز، بل الطريقة التي خرج بها الفريق: باحترام، وبتصفيق من جمهور الرياضي، الذي وإن لم يُخفِ خيبة النتيجة، أبقى على روح المنافسة في إطارها النبيل.
وفي غزير، حيث يتحوّل الملعب إلى قلعة خضراء، برز جمهور الحكمة الوفي كعادته، داعمًا ومؤمنًا بفريقه حتى الثواني الأخيرة، مع احترام للفريق الخصم ولفتة محبة إلى اللاعب هايغ غيوكشيان. المنافسة بين الناديين لا تحتاج إلى إثبات، فهي من الأكثر شراسةً في تاريخ اللعبة، لكن ما يُميّز هذه السلسلة تحديدًا هو ارتفاع منسوب النضج الجماهيري، وتقديم صورة حضارية تُثبت أن كرة السلة باتت ثقافة تُمارَس في لبنان، لا مجرّد رياضة.
قد لا تغيب المناوشات، والهتافات الحماسية، وحتى التوتر أحيانًا، لكن ما هو أكبر من كل ذلك هو تلك الرسالة الصامتة التي تقول: يمكن أن نختلف، ننافس، نغضب، ونفرح… لكن لا نفقد احترامنا لبعضنا البعض، ولا نُسقط قيمة هذه اللعبة التي باتت الأولى شعبيًا في لبنان. الرياضة تُعلّمنا الفوز دون غرور، والخسارة دون انكسار، والانتماء دون تعصّب. وما رأيناه في هذه السلسلة من جمهور الحكمة والرياضي، هو دليل على أن اللعبة في لبنان ليست فقط على أرض الملعب، بل في القلوب والعقول، حيث يعيش الشغف الحقيقي.
فتحية إلى جمهور الحكمة… وتحية إلى جمهور الرياضي… أنتم أكثر من مشجعين، أنتم ركنٌ أساسي في هذه الحكاية التي تستحق أن تُروى.