في ظلّ المواقف الحادة المستجدة التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الكرملين خلال الأيام الأخيرة، ومع متابعة واشنطن توريد أسلحة إلى أوكرانيا كانت قد أوقفتها موَقتًا بسبب مراجعة أجراها البنتاغون لمخزون الذخائر المحلي، التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نظيره الروسي سيرغي لافروف حوالى ساعة على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في ماليزيا أمس، حيث كشف روبيو أن لافروف قدّم "فكرة جديدة" أو "مفهومًا جديدًا" في شأن أوكرانيا، لكنها ليست "مقاربة جديدة"، مشيرًا إلى أنه سيعرض الأمر على ترامب لمناقشته، الذي أكد روبيو أنه "يشعر بخيبة أمل وإحباط من قلة المرونة من الجانب الروسي" لإنهاء الصراع، في وقت أكدت فيه روسيا أنها تنتظر إشارات من كييف في شأن رغبتها أو عدم رغبتها في بدء الجولة الثالثة من المفاوضات.
وذكرت الخارجية الروسية أن لافروف وروبيو أكدا عزمهما المشترك على البحث عن حلول سلمية للنزاعات وإحياء التعاون الاقتصادي والإنساني بين بلديهما، مشيرة إلى أن الوزيرَين ناقشا مجموعة واسعة من الملفات المتعلّقة بالأجندة الثنائية والقضايا العالمية، حيث جرى "تبادل جاد وصريح للآراء في شأن التسوية حول أوكرانيا، والوضع حول إيران وسوريا، وعدد من القضايا الدولية الأخرى". وأكد الرجلان أهمية مواصلة الجهود لتطبيع عمل البعثات الدبلوماسية بين البلدَين، وأن استئناف حركة الطيران المباشر بين البلدين قد يساعد في استعادة التعاون الأميركي - الروسي. وبعدما كان ترامب قد هدّد مجموعة "بريكس" بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المئة، معتبرًا المجموعة أنها "معادية لأميركا"، ادعى نائب لافروف، سيرغي ريابكوف، أن "بريكس" ليست معادية لأميركا وأنها لن تلتفت إلى "لغة التهديدات والتلاعب".
في الأثناء، استضافت روما "مؤتمر تعافي أوكرانيا"، حيث أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين تخصيص دعم بقيمة 2.3 مليار يورو للمساعدة في إعادة إعمار أوكرانيا، موضحة أن الدعم يشمل 1.8 مليار يورو في شكل ضمانات القروض و580 مليون يورو في منح تقدّمها مؤسسات مالية عامة دولية وثنائية. ويشكل المبلغ جزءًا من إطار الاستثمار في أوكرانيا، الذي توقعت فون دير لاين أن يصل إلى 10 مليارات يورو، كاشفة أيضًا تدشين صندوق أسهم جديد لإعادة إعمار أوكرانيا، بدعم من البنك الأوروبي للاستثمار وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا. وذكرت أن الصندوق، برأس مال أولي يبلغ 220 مليون يورو، يهدف إلى جمع 500 مليون يورو بحلول عام 2026.
وخلال المؤتمر، اعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تحتاج لخطة تعاف تشبه "خطة مارشال"، مشدّدًا على ضرورة دعم الدفاعات الجوية لبلاده وقدرتها على تصنيع المسيّرات، خصوصًا بعدما شنت روسيا هجمات جوية واسعة النطاق خلال اليومَين الماضيَين بواسطة مئات المسيّرات والصواريخ التي استهدفت مدنًا رئيسية، منها كييف. وكشف أن أكثر من 500 شركة كانت ممثلة في المؤتمر، مشيرًا إلى وجود حوالى 200 اتفاق جاهز للتوقيع بقيمة إجمالية تتجاوز 10 مليارات يورو. ورأى أن "الأصول الروسية المجمّدة يجب أن تُستخدم لتعافي أوكرانيا، ليس فقط عائداتها، بل الأصول نفسها يجب أن تُستخدم لإنقاذ الأرواح".
وفي ختام زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بريطانيا أمس، وإثر اجتماع "تحالف الراغبين" الافتراضي، أعلن ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اتفاقهما على تفعيل التعاون العسكري النووي بينهما وإطلاق برنامج مشترك لتطوير الصواريخ العابرة لحماية الحلفاء في أوروبا. ودعا الرجلان إلى زيادة الضغط على موسكو من خلال فرض عقوبات جديدة بهدف التوصل إلى وقف للنار في أوكرانيا. وأوضح ستارمر أن الخطط الأوروبّية في شأن قوة حفظ السلام أصبحت "ناضجة" بعد أشهر من الإعداد، بينما وصفها ماكرون بأنها "جاهزة للتنفيذ" بمجرّد التوصل إلى وقف للنار.
كما توصّل ستارمر وماكرون إلى اتفاق على إطلاق مشروع تجريبي لنظام "واحد يدخل مقابل واحد يخرج" للمهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون القناة الإنكليزية في قوارب صغيرة، بحيث سيجري إعادة المهاجرين الذين يعبرون في قوارب صغيرة إلى فرنسا، وفي المقابل، ستقبل بريطانيا نفس عدد طالبي اللجوء الذين يُحاولون الوصول إليها عبر طرق آمنة.
وفي الميدان الأوكراني، اغتيل ضابط العمليات الكبير في جهاز الأمن الأوكراني العقيد إيفان فورونيتش بإطلاق رصاص من مسدس كاتم للصوت من قبل رجل وهو يعبر الشارع بالقرب من مبنى سكني في منطقة غولوسييفسكي في كييف. وأظهرت لقطات نُشرت على تطبيق "تلغرام" لحظة إطلاق النار خمس مرّات على فورونيتش بجوار صف من السيارات المتوقفة. وتجدر الإشارة إلى أن فورونيتش كان رئيس القسم الأوّل من القسم السادس عشر في جهاز الأمن الأوكراني، الذي يركّز على العمليات رفيعة المستوى، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والعمليات الخاصة والمهام الأمنية.
توازيًا، كشفت السلطات الأوكرانية اعتقال رجل صيني وابنه بتهمة التجسّس ومحاولة تهريب معلومات سرية تتعلّق بنظام الصواريخ "نبتون" الأوكراني إلى الصين، مشيرة إلى أن هذا الاعتقال هو الأوّل من نوعه في أوكرانيا بتهمة التجسّس منذ بداية الحرب. يُذكر أن صاروخ "نبتون" المضاد للسفن والأسلحة بعيدة المدى لعب دورًا حاسمًا في الحرب الأوكرانية - الروسية، حيث استخدمته كييف لتنفيذ عدة عمليات، منها إغراق سفن تابعة لأسطول البحر الأسود الروسي.