يا سادة يا كرام، ويا كلّ من لا يزال يعتقد أنّ التواضع فضيلة لا ضعف، دعوني أروي لكم حكاية من حكايات هذا العصر، عصر التيوس الكبار!
نعم، التيوس، أولئك الذين لا يأكلون العشب فقط، بل يأكلون الجوّ، الأضواء، الميكروفونات، وجوائز "أفضل نطحة في المجال". وقد يهمّكم أن تعرفوا – من باب التوثيق الأكاديمي – أنّ ضحايا "التيوس الكبار" كثر: في الحبّ، في العمل، في "إكس"(تويتر سابقاً)، في كلّ زاوية من زوايا هذا الكوكب الذي صار يُكرِّم من يرفع قرنه لا من يرفع فكرًا. وقد قيل: "إذا سمعت قرع حوافر، لا تفترض أنه حصان، في هذا الزمن، هو تيس في بدلة رسمية".
"تَيس السياسة" يلوّح بيده كمن يقود ثورة. يتحدّث عن الإصلاح، والعدالة، والمساواة، وهو يضع ساعةً أغلى من ميزانيّة الدولة. قال لي خلال مؤتمر صحافي: "يا سيدتي، أنا مشروع نهضة أمّة". نظرتُ إليه، كان يأكل "سندويشة فلافل" بثلاثة أصابع، ويشرب "لاتيه" بلا سكّر. "نهضة شو يا عمّي؟ أنت ناهض علينا الصبح!". هو لا يُقنعك، هو "ينطحك" بالرأي. يُدير استعراضًا نطحيًا كلّ أربع سنوات، يترشّح على الانتخابات وكأنه "سوبرمان ذو القرنين". قال تشرشل يومًا: "أنا لست متكبِّرًا، أنا فقط واثق من أنك مخطئ". لكنّ تَيْسنا الكبير يُضيف: "وأنا لست مخطئًا أبدًا، بدليل أنّ أمّي قالت لي إنني الأذكى بين إخوتي التيوس".
نجم منشور
"تَيس الإعلام" يبدأ برنامجه، بعبارة: "أعزائي، اليوم نتناول ملفًّا حسّاسًا للغاية: لماذا الحسد يأكل التَّيس الكبير؟". ثم ينظر إلى الكاميرا بنظرة كأنما اخترع الحقيقة، وأنا كمُشاهدة مسكينة، أبحث عن زر "انسحاب تكتيكي". هو لا يُقدِّم معلومة، هو يُقدِّم شخصيّة، ويُفضّل "الفلاش" على الفكر. لِباسه دائمًا أكثر أناقة من عقلِه، وحركات حاجبه الأيسر تفكّك الأزمات كلّها. قال أوسكار وايلد ساخراً ذات يوم: "أنا متواضع جدًا، وهذه أعظم مزاياي". لكنّ "تَيس الإعلام" يُغرّد قائلاً: "أنا أتواضع أحيانًا، فقط لأنّ الإضاءة لا تناسب وجهي من الأعلى".
ناقد لا يقرأ
دخل علينا "تَيس الثقافة" في ندوة ثقافية، وهو يلفّ عنقة بِشالٍ صوفيّ من ماركة "كافكا 2025"، ويتحدّث عن "إرهاصات ما بعد البنيوية في قاع فنجان القهوة". سُئل: "هل قرأت الكتاب؟". فأجاب: "لا أقرأ، أنا أستنشق الفكر". فخطر في بالي أن أُخرج كتابًا من حقيبتي، وأقول له: "طيّب شِمّ هيدا." هو لا يفهم ما يقول، لكنه يقول ما لا يُفهم. نُكرّمه، لأنه عقَّدَ الأمور، وخَلَطَ الفلسفة بالأسبيرين، يُردّد على الدوام: "شكراً لمن آمن بِقرني". وأنا أُضيف في رأسي: "وشكرًا لكلّ من صدّقك!"
ملك "النطحة الرقمية"
"تَيس السوشيال ميديا" ينشر لنفسه صورةً أمام مرآة: "قرني لا يعكس الغرور، بل القوّة". ونحن نضغط "لايك"، لا لأننا نوافق، بل لأنّ أصابعنا أصيبت بـ "الانقياد التلقائي". هو لا يحتاج شهادة، يكفي أنّ عنده مليون متابع ومؤثّرات صوتيّة في فيديوهاته.
قال مارك توين مرّة هازئاً: "كلّما تعرّفت على الناس، كلّما أحببتُ كلبتي أكثر." وأنا أردّد: "كلّما تصفحتُ "إنستغرام"، كلّما تمنّيت أن أعيش في كهف بلا "واي فاي"".
الموعظة بالقرن
"تَيس الدِّين" لا يُناقش، بل يُحرِّم. كلّ سؤال عنده "فتنة"، وكلّ نقاش "بدعة"، وكلّ اختلاف "هرطقة". هو لا يطأ الأرض إلا وهو يظنّ نفسه "نائب الله المختار"، وعندما يراك تبتسمين، يعتبرها "شبهة ليبرالية".
قال سلفادور دالي مرّةً: "الفرق بيني وبين المجنون؟ المجنون يظنّ نفسه عاقلًا، أما أنا فأعلم أنني عبقري". لكنّ تَيسنا يعتقد أنه "مكلَّف إلهيًا بكل شيء: من الطلاق حتى عدد مكعّبات الثلج في الكولا".
رومانسي بنفَس مسرحي
"تَيس الحبّ" يقول لك: "أنا لا أُحبّ، أنا أخلق قصصًا تُروى". ثمّ يخونك ويكتب: "الخيانة قدر العظماء". هو يحبّ أن يُرفض، لكي يبكي علنًا ويكتب على "فايسبوك": "أنتم لم تحبّوا نطحي، بل أحببتم الهالة".
يراك مرآة لبطولاته، لا شريكة حياة، وإن أحبَّكِ، فلأنّك جمهور، لا إنسانة. وإن تركتِه، نشر صورة حزينة وكتب تحتها: "عشتُ مع أنثى، لم ترَ قرني الحقيقي".
نطحة نحو النجاح
"التَّيس الكبير في تطوير الذات" يقول لك: "أنت عظيم… فقط قل لنفسك كلّ صباح: أنا فوق النقد، فوق الفقر، فوق الفيزياء!". ثمّ يبيعك دورة بـ 400 دولار، عنوانها: "اصرخ في وجه الحياة!".
يقتبس من نفسه، يصفّق لنفسه، ويُعلّق على منشوراته: "كلام يُخلخل الروح". وأنت تخرج من الدَّورة وأنت تكرّر في المرآة: "أنا عظيم… مع إني مش فاهم ليش!".
عبقري "misunderstood"
يرسم "تَيس الفن" دائرة، ثم يقول: "هذه تمثِّل عزلة الماعز في كوكب المرّيخ". ويُصرّ أنّ الفنّ لا يُفسَّر، فقط "يُشمّ ويُحسّ". والمُشاهد فعلاً يشعر بشيء، لكنه ليس فنًّا، بل نوع من التسمّم البصري. يحضر معارض الفن وهو يشرب قهوة باردة ويتحدّث عن فلسفة الظل في لوحة مرميّة على الأرض لأنّ الفنان نسي أن يعلّقها.
قال فرانك لويد رايت مرّة: "أعلم أنني عبقري، المشكلة أنّ العالم لم يدرك ذلك بعد". لكنّ تَيسنا الفنّي يقول: "أنا لا أنتظر اعتراف العالم، أنا أنتظر تمويل مشروع جديد".
التصفيق الأخير
الستارة تُسدَل، تَيسنا الكبير يقف في منتصف المسرح، يُحيّي الجمهور، يفتح ذراعَيه ويقول: "أشكر نفسي، لأنّني كنت رائعًا كعادتي". والناس تصفّق. لا لأنهم مُعجبون، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتوقّفون. أما أنا وأمثالي فنقف في الظلّ، بلا قرون، بلا كرافات، بلا أقراط أذن متدلية، بلا دروع تكريميّة، ونقول: "في زمنٍ صار فيه النطاحُ بطولة، والتفاهةُ مكافأة، والتواضعُ فضيحة، لا تنتظروا أن ينتهي العرض، بل غادروا المسرح بهدوء".
خيمة اعتزال؟
وهكذا يا كرام، بعد هذه الجولة في حديقة التيوس الكبار، أجدني بحاجة ماسّة إلى خيمة اعتزال في جبال اللامبالاة، حيث لا قرون تُلوّح، ولا هالات تُباع باللايكات، ولا تيس يُحدثني عن فلسفة التطوير الذاتي وهو يقرأ من دفتر محاضراته المكتوب بخطّ والدته. أعترف، أشعر أحيانًا أنني أعيش في مسلسل وثائقي عن حيوانات ناطقة، تَيس يُغنّي، تَيس يُحلّل، تَيس يُحب ويُخان ويُباع كمُنتَج رقمي فاخر! لكن لا بأس، نحن في عصرٍ صار فيه "عدد المتابعين" أهمّ من عدد الخلايا الرمادية، وصار فيه كل من لبس نظّارة بدون عدسات ورفع حاجبه الأيسر يُلقّب بـ "المفكِّر الثَّوري".
الخلاصة؟ عزيزي القارئ، إن مرّ بك "تَيس كبير"، لا تُجادله، فقط ابتسم، صافحه (من بعيد)، وقل له: "دمتَ مبدعًا، بس "بليز"، ريّحنا شوي!"
أما أنا، فأفكّر بترك قلمي، والذهاب لزراعة شجرة تواضع، علّها تنمو على الرغم من كلّ هذا الضجيج النطّاحي. أما إذا لم تنبت تلك الشجرة، وقد لا تنبت لأنّ الضوضاء تسمّم الجذور، فسأعيد حساباتي بكل نضج وأبحث عن قرنَين يُناسبان رأسي ومؤهّلاتي: واحد للشهرة، والثاني للتمويل. لا مانع أن أُشارك في برنامج "ذا تَيس"، وأصرخ: "أنا مؤثِّرة، قرناي يشهدان! فكرِّموني عظِّموني إنني تيسة كبيرة".