في تحذيرٍ صريح ونادر، أطلق المبعوث الأميركي الخاص توم باراك ناقوس الخطر، مؤكداً أن لبنان بات على مشارف فقدان استقلاله السياسي، مهدّدا بالوقوع تحت هيمنة قوى إقليمية ما لم تُعالج مسألة سلاح "حزب الله" بشكل جذري.
وفي مقابلة مع صحيفة ذا ناشونيل قال باراك: إذا لم يتحرك لبنان، سيُعرض الكيان اللبناني لتهديد وجودي وسيعود ليصبح جزءا بلاد الشام من جديد وهذا التحذير ليس مجرّد رأي سياسي عابر، بل يُسلّط الضوء على أزمة متجذّرة تهدد ما تبقّى من سيادة الدولة اللبنانية.
السلاح خارج الشرعية… سيادة مُعلّقة
منذ سنوات، تعيش الدولة اللبنانية حالة من الشلل المؤسسي نتيجة خلل جوهري في توازن السلطة، ناتج عن وجود سلاح حزب الله الغير شرعي والذي يستمر في احتكار قرار السلم والحرب، ضاربًا عرض الحائط بكل الدعوات لإعادة الدولة إلى موقع القرار معتبرا نفسه انه هو صاحب القرار.
" سلاح حزب الله" الذي فُرض بقوة الأمر الواقع منذ ما بعد الحرب الأهلية، تجاوز دوره الدفاعي المعلن، بعد ان كان يُسوّق له على أنه "سلاح مقاومة"، بات اليوم أداة نفوذ إقليمي في يد إيران، يُستخدم لتعطيل الداخل، ولتوريط لبنان في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
والمفارقة أن هذا السلاح لم يحمِ لبنان من عدوان، بل جلب له العقوبات والعزلة السياسية والاقتصادية ووضعه في موقع الدولة الغير قادرة على اتخاذ قرار سيادي حر، وقوض أية إمكانية لتحقيق الإصلاح أو جذب الاستثمار أو استعادة الثقة الخارجية مع البنك الدولي او الجهات المانحة.
الاقتصاد يحتضر… ولا دولة تُنقذه
الاقتصاد منهارالعملة المحلية فقدت أكثر من 90% من قيمتها، ويقف لبنان اليوم على حافة الإنهيار التام.
البطالة والفقر تجاوزا الحدود الحمراء، والخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والصحة أصبحت امتيازًا وليس حقًا، ومع غياب أي أفق سياسي للحل، الخسائر تتراكم يومًا بعد يوم، وتُدفع الطبقة الوسطى إلى الانقراض وكل هذا يحصل في ظل عجز تام عن أية معالجة.
سوريا تتقدّم… ولبنان يتقهقر
ما يزيد من سوداوية المشهد، أن سوريا رغم كل الدمار والخراب بدأت تتقدّم بخطى ثابتة نحو الانفتاح واعادة اتطبيع مع العالم العربي، فأغلبية السفارات عادت إلى دمشق، والاجتماعات تعقد على مستويات رسمية، وهناك مناخ إقليمي بدأ يتقبل فكرة إعادة دمج النظام السوري في المنظومة العربية والدولية.
وفي المقابل، يعيش لبنان في عزلة صيفية مع العلم وللأمانة أن الرئيس جوزف عون يعمل جاهدا للسير في نهج الإصلاح والتغيير، ويحاول وضع خطة ورؤية إنقاذية وجمع الشمل والتوافق سياسي لكن مكانك راوح وإذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه، فلن يكون مستبعدًا أن يفقد لبنان دوره وهويته، ويُبتلع بالكامل ضمن محور خارجي لا يُعبّر عن إرادة شعبه الذي لطالما كان مضرب مثال عن عشقه للحياة.
الوقت ينفد
تصريحات باراك تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، الى متى ستبقى الدولة اللبنانية رهينة لطرف مسلّح؟
إلى متى سنبقى على اقتصادنا ينهار، وعلى شبابنا يهاجر، وعلى سيادتنا تُنتهك، دون أن نملك الجرأة للمطالبة بقرار واحد وسلاح واحد تحت سقف الدولة؟
لبنان لم يعد يحتمل سياسة النعامة، ولا المجاملات، ولا الشعارات الفارغة، والواقع يصرخ:
لا اصلاح دون سيادة، ولا سيادة بوجود سلاح خارج سلطة الدولة.
والمجتمع الدولي، كما يَظهر في مواقف كثيرة، بات واضحًا في مطالبه: ساعدوا أنفسكم كي نساعدكم
تحذير توم باراك ليس الأول، لكنه واضح، لبنان بحاجة إلى قرار شجاع، يعيد للدولة اعتبارها وللمؤسسات دورها، وينهي مرحلة السلاح الغير شرعي الذي شلّ الاقتصاد، وقسّم السياسة، وخنق الشعب
فالتمسك بهذه اليد الإيرانية في ظل دولة منهارة، وشعب يائس، وأفق سياسي مسدود، ليس مقاومة... بل مقامرة بمصير وطن.
لقد حان الوقت، لا بل تأخر، لكي يُسلّم "حزب الله" سلاحه للدولة، ويعود القرار إلى المؤسسات الشرعية،لا إلى غرف العمليات الإقليمية.
فإذا كانت سوريا بكل ما مرّت به قد بدأت تنهض، فهل يُعقل أن لبنان الذي كان يُضرب به المثل في الانفتاح والحرية والتعليم والصحافة والقانون والإستشفاء أن يعود إلى الوراء؟
الجواب بات واضحًا...
إما أن تُسلم كل الأسلحة إلى الدولة حتى سلاح المخيمات وهذا ما يريده الشعب اللبناني بأغلبيته، وتستعاد السيادة والحرية والإستقلال ضمن جمهورية قوية، أو سيخسر لبنان هويته إلى الأبد.
فإما دولة... أو لا وطن.