جواد الصايغ

دمشق والسويداء من الحوار إلى الصدام

5 دقائق للقراءة
دخلت دمشق رسميًا بقواتها لإخضاع السويداء (سانا)

فجأة تفجّرت الأوضاع في السويداء بين الفصائل العسكرية في المحافظة والحكومة الانتقالية، وذلك بعد شهرين من الهدوء النسبي الذي كان مسيطرًا على المنطقة الواقعة في الجنوب السوري. وجاءت حادثة التعرّض لأحد مواطني المحافظة على طريق السويداء - دمشق وسلبه مبلغًا ماليًا، بالإضافة إلى سيارة "بيك آب" محمّلة بالخضار والفاكهة، لتكون بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير مطلقة شرارة المعارك التي بدأت بين المقاتلين الدروز وعشائر البدو التابعة لحكومة دمشق في مدينة السويداء أوّلًا، وانتقلت إلى البلدات المجاورة لمحافظتي درعا وريف دمشق.



ومنذ مطلع أيار الماضي، يعاني العابرون من السويداء إلى دمشق وبالعكس من الحواجز التي تمتهن السلب والسرقة، ولم تنفع المناشدات إلى السلطات الجديدة بإيقاف هذه الظاهرة. أبناء المحافظة اتّهموا بشكل مباشر أفرادًا من عشائر البدو بالوقوف وراء هذه الأعمال، ورغم كلّ الوعود الحكومية، غير أنّ شيئًا لم يتغيّر، بل انتشرت هذه الظواهر حتى ضمن الحواجز الأمنية الرسمية. ملف التعرّض للعابرين كان واحدًا من البنود التي وقعت بين دمشق والسويداء أواخر نيسان الفائت، وتعهّدت يومها السلطات بالحفاظ على أمن هذا الطريق، إضافة إلى مجموعة من الشروط الأخرى التي تعهّد الطرفان بضمانها.



الأجواء في الأسابيع الأخيرة لم تكن تشي بأنّ مواجهة عسكرية جديدة تلوح في الأفق، بحيث إنه وبحسب المعلومات الخاصة، فإن حوارًا قد فُتح بين ممثلين عن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز وزعيمها الأبرز، الشيخ حكمت الهجري، وبين شخصيات تمثل الحكومة السورية، وتضمّن الحوار مطالب أبناء المحافظة التي شملت إعلان حكم دستوري وطني ديمقراطي ولامركزي، بالإضافة إلى ملفات أخرى تتعلّق بالأمن والاقتصاد والاستثمار. الحوار والتواصل بين الطرفين أرخيا بجوّ إيجابيّ توّج بزيارة المحافظ مصطفى البكور إلى المحافظة لمتابعة انطلاق الامتحانات الرسمية، ثمّ عاد مجدّدًا إلى دمشق، علمًا أنّ المحافظ كان قد قدّم استقالته للرئيس الانتقالي أحمد الشرع إثر خلاف حصل في مبنى المحافظة مع أفراد عائلة احتجز أحد أبنائها في العاصمة دمشق.



اللافت في المعارك التي بدأت يوم الأحد، كان دور السلطة السورية التي أرادت في بداية الأمر الإيحاء بأنها تقف على الحياد حيث دعا البكور إلى "ضبط النفس وتحكيم العقل والحوار"، محذّرًا من "محاولات إيقاع الفتنة أو دفع الأمور نحو الطريق المسدود"، كما ثمّن "الجهود المبذولة من الجهات المحلّية والعشائر لاحتواء التوتر"، مؤكدًا أنّ "الدولة لن تتهاون في حماية السوريين واستعادة حقوقهم"، فيما اكتفى نزار الحريري، أحد القادة الأمنيين المعيّنين من قِبل دمشق، بالقول إن "الوضع قيد المتابعة عقب حادثة السلب التي طالت أحد المواطنين على طريق دمشق - السويداء"، مشيرًا إلى "جهود حثيثة تُبذل بالتنسيق مع الفعاليّات المحلّية لاحتواء التوتر وتعزيز السلم الأهلي عبر الحوار".



لكن إعلان سياسة النأي بالنفس سرعان ما أسقطته بداية مقاطع الفيديو التي نشرها مقاتلو عشائر البدو الذين ظهروا في آليات تابعة لجهاز الأمن الداخلي، وهم في طريقهم إلى الاشتباك مع مقاتلي الفصائل الدرزية، كما نشرت مشافٍ في محافظة درعا أسماء لأشخاص قتلوا وجرحوا في المعارك وقدّمتهم على أنهم ينتسبون إلى وزارة الدفاع وجهاز الأمن الداخلي، بالإضافة إلى انطلاق ما يسمّى الأرتال العسكرية أو "الفزعات" من مناطق بعيدة من المحافظة، بحيث قطعت مسافات تجاوزت الـ 100 كيلومتر للوصول إلى السويداء، ما أثار تساؤلات حول مدى إمساك الحكومة الانتقالية بالأمن ضمن الأراضي السورية لتقطع هذه الآليات الطريق من دون أن يتم توقيفها أو اعتراضها. ورسمت السيّارات المجهّزة بالأسلحة الثقيلة هي الأخرى علامات استفهام حول مدى تمكّن وزارة الدفاع من دمج الفصائل العسكرية التي كانت نشطة خلال عهد النظام السابق، كما أعلنت في أكثر من مناسبة، أو أن هذه الفصائل تابعة للحكومة الجديدة وتأتمر بإمرتها لكنها تخوض المعركة تحت اسم العشائر تجنبًا لإحراج دمشق، وكي تتمكّن الأخيرة من الدخول كقوات فصل بين المتحاربين في نهاية المطاف وتضمن موطئ قدم لها في المحافظة.



ومع فشل قوات العشائر في تحقيق المأمول منها عسكريًا، دخلت دمشق رسميًا بقواتها لإخضاع المحافظة واندلعت مواجهات على محاور متعدّدة في المحافظة، مع انتشار مقاطع مصوّرة تظهر وقوع مقاتلين من الطرفين في الأسر. الدخول السوري الرسمي في المعارك فسّره كثيرون على أنه صدى لتصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك الأسبوع الماضي حول ملف الكرد وحديثه عن صعوبة قيام نظام فدرالي في سوريا، علمًا أن مطلب الدروز والكرد والعلويين يشدّد على ضرورة اللامركزية، وأنّ هناك ضوءًا أخضر إقليميًّا ودوليًّا لبسط سيطرة السلطات السورية على الأرض بالقوّة.



ويبقى السؤال ماذا سيفعل الدروز؟ تشير المعلومات إلى أن القيّمين على المواجهة أبلغوا أبناء المحافظة بأنهم يخوضون حربًا وجودية من دون التعويل على أي مساندة، وبحسب رأيهم، فإنّ التوقعات تشير إلى خسارة بعض البلدات، خصوصًا عند الأطراف، لكن خطوط الدفاع عن المناطق الداخلية ستكون محكمة بفعل التضاريس الجغرافية الصعبة.