تتعرّض آلاف الضحايا في لبنان يوميًّا لجريمة التحرّش الجنسي التي لا تقهر فقط أجسادهم بل تُقتَل معها كرامتهم وأصواتهم. وسط صمت قاتل وتجاهل رسميّ مخجل، يظلّ هؤلاء الضحايا أسرى معاناة مزدوجة: الاعتداء الجسدي والنفسي من جهة، والتهميش والوصمة الاجتماعية من جهة أخرى.
على الرغم من وجود قوانين تجرّم التحرّش، إلّا أنّ غياب الإرادة السياسية ونقص الدعم الحقيقيّ، يحولان دون حماية هؤلاء الذين يطالبون فقط بحقّهم في الأمان والعدالة.
إذًا لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستمرّ في تعميق جراح ضحايا التحرّش، أو يبدأ بالتصدّي الحقيقيّ لهذه الظاهرة التي تُخفي وراءها مآسي لا تُحتمل.
الإحصائيّات الصادمة
تشير الدراسات الرسمية ومنظّمات المجتمع المدني إلى أرقام صادمة بشأن التحرّش في لبنان. وفقًا لتقرير صادر عن "مؤسسة أبعاد" عام 2023، فإن نحو 65 % من النساء في لبنان تعرّضن لشكل من أشكال التحرّش الجنسي خلال حياتهنّ، فيما لا تتجاوز نسبة من يُقدّمن بلاغات رسمية، 20 % منهنّ، بسبب الخوف من وصمة العار والعزلة الاجتماعية. أمّا عن الحماية القانونية، فوفقًا لوزارة العدل اللبنانية، إنّ نسبة القضايا المتعلّقة بالتحرّش التي يتمّ التحقيق فيها فعليًا لا تتجاوز 15 % من الشكاوى المقدّمة، بينما يتمّ تجاهل أو تأجيل الكثير من الملفّات بسبب نقص الأدلّة أو عدم تعاون الضحايا خشية التداعيات النفسية والاجتماعية.
القوانين: بين التشريع والتطبيق
صدر في لبنان عام 2020 القانون رقم 205 الذي يجرّم التحرّش الجنسي ويعاقب عليه بالسجن والغرامات المالية. رغم ذلك، فإنّ التطبيق العمليّ لهذا القانون يواجه تحدّيات كبيرة. فغياب آليات متابعة فعّالة، ونقص التوعية في صفوف عناصر الأمن والقضاء، بالإضافة إلى ضعف الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، كلّها عوامل تجعل من القانون مجرّد نص على الورق لا يُحقّق الحماية الكافية للمتضرّرين.
الصمت والخوف والوصمة الاجتماعية
تُعدّ الضغوط الاجتماعية والوصمة من أكبر العوائق التي تمنع الضحايا من التقدّم بشكوى. في لبنان، يعتبر الحديث عن التحرّش أو الاعتداء الجنسي من المحظورات الاجتماعية التي تُفضي إلى عزلة الضحية أو حتى اتّهامها جزافًا. تقول إحدى الدراسات التي أُجريت عام 2022 على 500 امرأة لبنانية: "أكثر من 70 % من النساء يشعرن بالخوف من فقدان وظيفتهنّ أو التعرّض للتشهير عند التحدّث عن التحرّش". كما تشير تقارير من منظّمات حقوق الإنسان إلى أن نقص خدمات الدعم النفسي والاجتماعي يزيد من معاناة الضحايا ويقلّل من فرص استرداد حقوقهم.
شهادات حيّة من ضحايا التحرّش
تحدّثت مجموعة من الضحايا ممن تعافين بعد خضوعهنّ للعلاج النفسي والجسدي لـ "نداء الوطن" عن معاناتهنّ التي استمرّت طويلًا وسط مجتمع لا يزال يلتزم الصمت. أكّدن أنّ الألم النفسي والجسدي لم ينتهِ بانتهاء الاعتداء، بل تستمرّ تداعياته في حياتهنّ اليومية، حيث يجدن صعوبة بالغة في استعادة الثقة بأنفسهنّ أو الشعور بالأمان.
وأضفن أنّ الخوف من الوصمة الاجتماعية والعزلة، دفع بهنّ إلى التزام الصمت لفترات طويلة، ما عرقل محاولاتهنّ لطلب المساعدة والعدالة. رغم ذلك، عبّرن عن إصرارهنّ على تجاوز الألم واندفاعهنّ للمشاركة بصوت عالٍ من أجل تحطيم جدار الصمت ورفع الوعي حول ضرورة حماية الضحايا، مطالبات المجتمع والدولة بتحمّل مسؤولياتهما تجاه هذه القضية الإنسانية التي لا تحتمل المزيد من الإهمال.
دور المؤسسات المدنية والدولية
تحاول منظمات المجتمع المدني العاملة في لبنان سدّ بعض الثغرات عبر توفير خدمات الدعم النفسي والقانوني للضحايا، وتنظيم حملات توعية لتغيير النظرة الاجتماعية السائدة. ولكنّ تلك الجهود تواجه تحدّيات كبيرة بسبب نقص التمويل وغياب التعاون من بعض المؤسسات الرسمية. وتشير تقارير عدّة إلى أنّ الدعم الدولي يبقى محدودًا مقارنة بحجم الأزمة، رغم أهمية المبادرات التي تقودها هيئات مثل "اليونيسف" و "هيومن رايتس ووتش" في توثيق الانتهاكات والمطالبة بحماية حقوق الضحايا.
الحاجة إلى حماية فعلية وعملية
تظلّ حماية ضحايا التحرّش الجنسي في لبنان جرحًا ينزف بلا توقف، أزمة عميقة ومستعصية تتطلّب وقفة حقيقية وحازمة من الدولة والمجتمع معًا. لا يمكن السكوت أو التسويف في تطبيق قانون تجريم التحرّش الجنسي، بل يجب فرضه بحزم عبر آليات متابعة فعّالة لا تتيح لأي جهة التهرّب أو التهاون. لا بدّ من رفع الوعي في كل مؤسسات الأمن والقضاء، لضمان حقوق الضحايا وتسهيل وصولهم إلى العدالة دون عراقيل أو تأجيل.
الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا ليس خيارًا، بل ضرورة ملحّة لإنقاذهم من دوّامة الألم والخوف والوصمة التي تحاصرهم. ثقافة الصمت التي تقتل أصوات الضحايا وتغذّي الظلم الاجتماعي يجب أن تُكسر بقوّة، ولا يجوز أن تظلّ هذه المعركة فردية، بل تحتاج إلى دعم منظمات المجتمع المدني، لتكون درعًا حقيقيًا يحمي الضحايا ويطالب بالعدالة.
وحتى يتحقّق ذلك، يبقى السؤال المؤلم والقاتل: من يحمي المتحرّشين بهم؟ ما لم تتحرك الدولة والمجتمع بإرادة لا تلين، سيظلّ الضحايا محاصرين بين جدران الألم والظلم بلا أفق للنجاة أو أمل في التحرّر.