الياس دمّر

حين يتحوَّل رمز الأمل الى بطلٍ مُربَك

"SUPERMAN" في أزمة هويّة والنص عدوّه الحقيقي

4 دقائق للقراءة

بعد أكثر من عقدٍ من التخبُّط في هوية عالم "DC" السّينمائي، يُطلّ علينا فيلم "Superman" كمحاولة لإعادة ابتكار الرّمز الأشهر في ثقافة الأبطال الخارقين. أخرجه James Gunn، الذي يملك رؤية سينمائية لا تخلو من الجرأة، لكنّه هذه المرّة قدَّم فيلمًا يُراوح بين الرّغبة في التّحديث، والخوف من عبء الأسطورة. والنتيجة؟ فيلم مُربَك، مُتردّد، يُخفق في نقل ثقل الأيقونة إلى زمنٍ معاصر.


شخصيّات زائدة وهويّة ضائعة

أحد أخطر أخطاء الفيلم هو تحميل حبكته بعددٍ مُفرطٍ من الشّخصيات الثّانوية السّطحيّة. من مجموعة "Justice Gang" إلى الكلب الخارق Krypto، يجد المُشاهد نفسه غارقًا في عالمٍ لم يُمنح له وقتٌ كافٍ لفهمه أو التأثُّر به. رغبة المُخرج في التّأسيس لعالمٍ سينمائيّ مُوسَّع، جاءت على حساب البناء الدرامي المُتماسك. القصّة لا تُقدّم أصل "Superman" التّقليدي، بل تبدأ من لحظة أصبح بطلًا قائمًا بالفعل. من حيث الفكرة، هذه مُقاربة ذكيّة. لكنّ التّنفيذ جاء من دون عمقٍ كافٍ، إذ لم يُبنَ التوتّر الدّاخلي لدى الرّجل الفولاذي على نحوٍ يُقنع المُتلقّي بواقعيّة صراعه بين كونه بطلًا خارقًا يُطالب بالرّحمة وإنسانًا يسعى للفهم!


تمثيل مُتماسك بلا روح

قدَّم المُمثّل الصّاعد David Corenswet في دور "Superman" أداءً متوازنًا، لكنّه يفتقر إلى ما يمكن وصفه بـالهيبة التّلقائية. افتقاده للكاريزما التي طبعت أداءات Christopher Reeve أو Henry Cavill يجعل الشخصية، رغم جديّتها، أقل من التّأثير المُفترض. في المقابل، تُقدّم Rachel Brosnahan دور الصحفيّة Lois Lane باقناعٍ أكبر. أداؤها ناضج، ذكي، ويمنح الشخصية بُعدًا مُستقلًا، لا مُجرَّد تابع عاطفي للبطل. أما Nicholas Hoult، فيُجسّد دَور Lex Luthor بطريقةٍ أكثر دهاءً من المُعتاد، لكنّهُ يبقى مُقيّدًا ضمن دائرة الكتابة المحدودة، من دون أن يشكّل تهديدًا حقيقيًا عميقًا على مُستوى البُعد النّفسي للشخصيّة.


ضحك أكثر دراما أقلّ

واحدة من أبرز مشكلات الفيلم هي اضطرابه الأسلوبيّ، حيث يَتنقّل بين لحظاتٍ دراميّة تُطرح فيها أسئلة عن الهجرة والهويّة وتوظيف السّلطة في الاعلام، وبين نوباتٍ هزليّة تُقوّض الجديّة المَنشودة. شخصيّة الكلب الخارق Krypto مثال حيّ على ذلك، إذ أُقحمت للفُكاهة لكنّها تكرّرت حتى أصبحت عبئًا يقطع نبرة الفيلم العاطفيّة. الفيلم يريد أن يكون عصريًّا، لكنه بذلك يُفرّغ شخصيّة "Superman" من رمزيّتها. الطّابع الفكاهي ليس مُشكلة في ذاته، لكنّ تقديمه المُتناقض في لحظات يُفترض أن تكون مؤثّرة دراميًا، يُضعف الأثر النهائي للعمل، ليجعلنا نتساءل مرارًا عند المُشاهدة، أنحن أمام مُنقذ العالم أم نُكتة العصر؟ أهو بطل خارق أم بطل فاقد للهيبة؟ وفي هذا الخلل الجوهري، تآكلت رمزيّة البطل الخارق وتعثّر "Superman" في بدايته الجديدة التّهريجيّة.


عباءة ثقيلة في يدٍ خفيفة

لا يُمكن إنكار أنّ الفيلم يحتوي مَشاهد بصريّة مُبهرة، خاصةً في تصميم الطّيران والتقاط الألوان الزّاهية النّشطة والمُستوحاة من القصص المُصوّرة. لكن مع تصاعُد الأحداث نحو النّهاية، تبدو المُؤثّرات الخاصّة أقلّ إتقانًا، وبعض مشاهد المواجهات، خاصّةً في الصّراع بين الدولتَين الافتراضيَّتَين Boravia وJarhanpur، تُذكّرنا بألعاب الفيديو أكثر ممّا تُشعرنا بخطرٍ حقيقي. كما يُحاول الفيلم أن يكون أكثر من مُجرَّد عمل ترفيهي، من خلال طرح قضايا مثل الإعلام، السّلطة والانتماء، لكنه لا يمنح هذه القضايا المساحة أو العُمق الكافي. لنصل الى إشاراتٍ فكريّةٍ سطحيّة تُذكَر ولا تُناقَش، تُطرَح ولا تُستَثمَر دراميًّا. وفي النّهاية، يشعر المُشاهد أنّ الفيلم أراد أن يكون ذكيًا، لكنّهُ لم يمتلك الجرأة أو البراعة اللّازمة لذلك. فكانت النّتيجة مُحاولة فلسفيّة فاشلة.


هل فقد سوبرمان قدرته على الإقناع؟

لا هوية واضحة. لا هو ملحمة دراميّة ذات طابع إنساني ولا هو فيلم ترفيهي صرف يُركّز على الحماسة. إنّه تجربة مُحمّلة بالنّيّات الطّموحة، لكنها تنتهي إلى عملٍ فاترٍ، لا يترك أثرًا في الذاكرة، ولا يُضيف عُمقًا جديدًا لأسطورة الرّجل الفولاذي. إن كانت هذه هي الانطلاقة الجديدة لعالم "DC"، فهي انطلاقة ضعيفة، تحتاج إلى شجاعة فنيّة أقوى وإلى ثقة أكبر بجوهر شخصيّاتها، لا مُجرَّد ازدحام سردي وهزلٍ مُصطنعٍ.


هل هذا هو "Superman" الذي كُنّا ننتظره؟ تجدون مزيدًا من الأجوبة في صالات السّينما.


قدَّم المُمثّل الصّاعد David Corenswet أداءً متوازنًا