شهدت السويداء (ذات الغالبية الدرزية) منذ أواخر الأسبوع الماضي تصعيداً خطيراً، بدأj المواجهات المسلحة بتوترات محلية عقب سلسلة خطف استهدفت رجال أعمال دروز على طريق دمشق السويداء. وسرعان ما استغلت مجموعات قبلية سنية (قبائل البدو) هذه الحوادث لشن هجمات على أحياء وصهاريج درزية، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة داخل مدينة السويداء. أسفرت هذه المواجهات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى: فقد أبلغ الدفاع المدني ومرصد حقوقي محلي عن مقتل حوالي 30 شخصاً في يوم الأحد 13 تموز (27 منهم دروز)، ثم تصاعدت الاعتداءات إلى اليوم التالي، حيث وصل إجمالي القتلى إلى 99 قتيلاً (منهم 60 درزياً و18 من "قوات الأمن") بحلول مساء الإثنين. وتزايد الرقم لاحقاً إلى ما يقارب 166 قتيلاً خلال يومَي الإثنين والثلاثاء وفقا لمصادر المعارضة.
مشاركة "القوى العسكرية": أعلنت الحكومة المؤقتة حشد قوات الأمن والجيش إلى السويداء في محاولة لاحتواء العنف وإعادة فرض سيطرتها، مع فرض حظر تجوّل وإعلان وقف إطلاق نار رسمي يوم الثلاثاء. وفي المقابل، شاركت فصائل درزية مسلحة محلية في القتال دفاعاً عن مدنهم، وسط اتهامات متبادلة بالاستفزاز.
تدخلت إسرائيل مباشرة بضرب أهداف عسكرية تابعة للحكومة السورية في محيط السويداء مبررةً ذلك بحماية الأقلية الدرزية. كذلك أدلى المبعوث الأميركي توم باراك بأن واشنطن تسعى للتواصل مع جميع الأطراف "لتهدئة الموقف والاندماج ضمن إطار سياسي". ورحّبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار ودعت إلى "حماية المدنيين وبناء الثقة من خلال شمولية الانتقال السياسي" أما المرصد السوري لحقوق الإنسان فحذّر من "منحدر الدم" في حال عدم وقف هذه الدائرة الدموية.
تجاوز النزاع مرحلة المعارك الميدانية إلى انتهاكات موثقة ضد المدنيين. أفاد تقرير معهد الدراسات الحربية بأن "قوات الأمن" نفذت عمليات إعدام ميداني ونهب للممتلكات وحرق المحال التجارية، إضافة إلى أعمال تعذيب طائفية (كالقيام بحلق شوارب رجال دروز كرمز ديني)، مما زاد من توتر الوضع العسكري. وأشار التقرير ذاته إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يُضعف الثقة بين المكونات ويقوض أي جهود لتحقيق الاستقرار طويل المدى .
الموقف الكردي والمكونات الشمالية: في الوقت نفسه، جرت اتصالات مكثفة بين القيادة السورية الانتقالية (بزعامة الشرع) وقادة الإدارة الذاتية الكردية (المدعومة أميركياً). المفاوضات حول اندماج الوحدات الكردية ضمن الجيش الوطني الجديد لم تحرز تقدماً كبيراً بعد. فقد أكد المبعوث الأميركي توم باراك أن الاختلافات بين الطرفين لا تزال كبيرة حول آليات الدمج، وأن العملية ستسير "خطوات صغيرة" على أساس الثقة والالتزام. ويرى محللون أكراد أن شرط الحكومة السورية الجديدة ("سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة") يُعني عملياً إلغاء مكتسبات الإدارة الذاتية.
من جانبهم، طالب الكرد بإقرار صيغة حكم لا مركزية تحفظ الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ضمن إطار وطني ديمقراطي. فقد كررت أحزاب كردية أن نظام الإدارة الذاتية يجب أن يُنظر إليه كـ"ركيزة لتعزيز قوة سوريا وتماسكها" لا كعقبة. وأكد البرلمان الكردي في بيان أن وحدة سوريا “لن تتحقق إلا بمنظومة لامركزية ديمقراطية” تضمن الحقوق الكاملة لكل مكون. وفي الميدان، يعاني الأكراد من إجراءات اقتصادية متناقضة؛ فقد فرضت الحكومة المؤقتة أخيراً حصاراً على الأحياء الكردية بأحياء حلب مانعةً وصول الوقود، في حين يستنكر السكان هذا التضييق بوصفه محاولة خنق حصة الأكراد واستمرار تمييز قديم.
في هذا المناخ، أكدت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) دعمها لأبناء السويداء، مدانةً الهجمات المتواصلة على القرى والمدن الدرزية. وأشارت قيادات كردية إلى أن العنف في الجنوب جزء من "غياب حل سياسي شامل وعادل" يعمق الانقسامات. والجدير ذكره أن الاتفاقية الموقعة بين قيادة SDF وأحمد الشرع في مارس بشأن دمج المدني والعسكري الكردي لم تُنفذ بعد، وهناك خشية من التراجع سريع عن ما اتفق عليه في ظل شح الثقة.
تعكس هذه التطورات تصاعد نفوذ تحالفات المكونات على المشهد السوري. ففي جنوب البلاد، تظهر القوى التي تتبع نهج «المحاور الجديدة» رد فعل شرس تجاه أي مطلب للأقليات بحقوق سياسية واسعة. ويرى مراقبون أن الحكم المركزي في المستقبل يسعى إلى إلغاء أي حكم ذاتي فعلي، خشية أن يؤدي ذلك إلى مطالب مماثلة في دول جوارها ذات التركيبة الهشّة. وقد برز موقف سوريا الانتقالية الرافض للادّعاءات الأميركية أو الإسرائيلية بأن الأكراد أو الدروز يجب أن يتمتعوا بحكم ذاتي مستقل، إذ تعتبر هذا "أجندات خفية" هدفها تقسيم البلاد. في المقابل، يرفع الطرفان (الكرد والدروز) شعار المواطنة المتكافئة دون وصاية؛ فهم يشتركون في تحالف غير معلن ضد إيران ونفوذها التاريخي. ويرى المراقبون أن تدخلات طهران في السابق، التي كانت تستهدف إبقاء دمشق مسيطرة مركزياً على الأنظمة الفرعية، أصبحت مع عودة الأكراد والدروز إلى لعب الأدوار الكاملة، محل شك كبير ورفض من قبل هذه المكونات.
كما يشير المراقبون إلى أنّ الوجود العسكريّ الإسرائيلي في الجنوب (ضد أهداف نظامية سورية) ووليّ أميركي يرافق السلطة الجديدة، يعززان التوجّه نحو صيغة فيدرالية في سوريا. فإسرائيل علناً تراهن على الدروز حلفاء محتملين، والولايات المتحدة أعلنت استعدادها لضمان اندماج الأكراد بشكل يحفظ مكانتهم التاريخية (مع العلم ان الولايات المتحدة لا تحبذ في الوقت الحاضر الفدراليات في المنطقة). وفي هذا السياق، يُنظر إلى أي محاولة لـ”سيطرة مركزية” من قبل الحكومة الانتقالية بوصفها خطوة استفزازية تعيد للعنف أشكاله القديمة.
إنّ تكثيف العنف والتدخلات حول السويداء وأكراد الشمال يكشف أن الحلّ السياسي في سوريا لا يكمن في الحيلولة دون المطالب المشروعة للمكونات التاريخية. فالمراقبون يرون أن البلاد لن تَسْتعيد استقرارها ما لم تبنَ قاعدة دستورية جديدة تقوم على اللامركزية الفدرالية، تضمن فيها لكل مكوّن (درزياً، كردياً، مسيحياً، علوياً، وغيرهم) حقوقه السياسية والثقافية الكاملة دون وصاية. أوضح خبراء أكراد أنّ نموذج الإدارة الذاتية ركيزة لاستعادة وحدة سوريا من جذورها، وليس عائقاً، مؤكدين على ضرورة استلهام دروس الماضي واستبدال المركزية الشمولية بمنظومة عادلة تزيل أسباب التوتر والعداء. وفي غياب مثل هذا الحلّ الفيدرالي الشامل، فإنّ دوامة العنف ستدور مجدّداً كلما شعرت أي مجموعة تاريخية بأن ثقلها السياسي ووجودها مهدَّد.