منذ عودته إلى البيت الأبيض في مطلع عام 2025، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه يسعى لفرض رؤيته الخاصة على العالم، متجاهلًا كل ما حدث قبلها من دماء ودمار ومعاناة. قدّم نفسه على أنه الرجل الذي سيُنهي الحرب الروسية على أوكرانيا خلال أيام. كان واثقًا إلى حد الغرور، وكأن الصراع القائم منذ سنوات بين دولة معتدية ودولة تقاتل من أجل البقاء، مجرد خلاف بسيط يمكن حله عبر "صفقة" في كواليس مغلقة.
لكن شيئًا فشيئًا، تهاوت هذه الأوهام أمام واقع لا يمكن تزويره: واقع يقول إن روسيا، لا غيرها، هي من بدأت الحرب، وإن بوتين، لا سواه، هو من أمر بالقصف والاجتياح والقتل. أما أوكرانيا، فهي التي تدفع الثمن، وتدافع وحدها عن القيم التي يزعم الغرب أنه يمثلها.
مشهد الإهانة: زيلينسكي في مواجهة الغطرسة
في أول لقاء رسمي علني بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد عودة ترانب الى البيت الابيض، وداخل المكتب البيضاوي قرر ترامب أن يجعل من هذا اللقاء منصة استعراض لقوته امام شاشات العالم، لا زيارة دبلوماسية متزنة. و هاجم ترامب ونائبه حي دي فانس زيلينسكي بحدة، مشككان في قدرته على الاستمرار بالحرب، ومهددان بوقف الدعم الأميركي، في نبرةٍ لم تحمل إلا الإهانة لرئيس بلد يعيش تحت القصف.
زيلينسكي تمسك بهدوئه، ودافع عن موقف بلاده بإصرار، لكنه خرج من اللقاء وهو يدرك أن المعركة لم تعد فقط مع موسكو، بل أيضًا مع واشنطن التي بدأ رئيسها يتعامل مع مقاومة أوكرانيا كعبء يجب التخلص منه.
أوهام الصفقة: حين ظنّ ترامب أنه قادر على إذلال أوكرانيا
منذ بداية ولايته الجديدة، أصر ترامب على أن الحل يكمن في "صفقة كبرى" يعقدها مع بوتين، تُنهي الحرب وتعيد الاستقرار. لكن "الثمن" الذي كان ترامب يتحدث عنه لم يكن سوى أوكرانيا نفسها: أراضيها، سيادتها، دماء أبنائها.
ظنّ ترامب أن أوكرانيا سترضخ، وأن بوتين سيقبل باتفاق "شرفي" يخرج فيه كلا الطرفين دون هزيمة. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا، وبوتين أظهر رفضًا صريحًا لأي تنازل، مطالبًا بالمزيد من الأرض والمزيد من السيطرة. هنا بدأ ترامب يُدرك أن رهانه كان على وهمٍ خطير.
فأوكرانيا ليست صفقة عقارية يسهل عقدها باتصال هاتفي، بل جبهة من نار، ودولة تناضل من أجل البقاء، وشعب لن يقبل أن يُباع لصالح توازن دولي مزيف.
حلفاء ترامب يغذّون الرواية المضلّلة
في تلك المرحلة، لعب بعض المقربين من ترامب دورًا في ترسيخ خطابه الخاطئ. إيلون ماسك، عبر منصة X، أعاد تكرار فكرة "السلام عبر التنازلات"، بينما خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ليعلن أن "أوكرانيا لا يمكنها الانتصار"، داعيًا إلى إنهاء الدعم العسكري فورًا.
هذه الأصوات غذّت حالة التشكيك في الداخل الأميركي، وساهمت في تقديم زيلينسكي على أنه مجرد متوسل للدعم، بدل أن يُنظر إليه كقائد مقاوم يقف في وجه واحدة من أعنف الآلات الحربية في العصر الحديث.
انقلاب المعادلة: الطائرات المسيّرة تغيّر كل شيء
لكن ما لم يكن في حسبان ترامب أو مساعديه، هو قدرة أوكرانيا على قلب المعادلة. ففي ضربة عسكرية مفاجئة، استخدمت كييف عملية الطائرات مسيّرة في العمق الروسي لضرب قاذفات استراتيجية روسية على مسافة مئات الكيلومترات داخل الأراضي الروسية. العملية كانت ناجحة، مبهرة، وصادمة في توقيتها ودقتها.
لأول مرة، ظهر أن أوكرانيا لا تزال تملك أوراقًا استراتيجية، وأنها قادرة على الردع والمباغتة. سقطت فكرة أنها "دولة ضعيفة يجب أن ترضى بالمصير"، وأثبتت أن الكلمة لم تُقل بعد في هذه الحرب.
فخ زيلينسكي: كشف خدعة المفاوضات
بعد هذه العملية، لعب زيلينسكي ورقة سياسية ذكية جدًا: أعلن استعداده لمفاوضات مباشرة مع موسكو، وفق شروط واضحة تحترم وحدة الأراضي الأوكرانية. لكن روسيا رفضت، وواصلت تعنتها، رافضة حتى الحديث عن وقف إطلاق النار.
بهذه المبادرة، نجح زيلينسكي في نزع ورقة الأخلاق من يد روسيا، وكشف أمام العالم أنها ليست فقط الطرف المعتدي، بل أيضًا الطرف الذي يُفشل أي فرصة للسلام.
الأوروبيون يضغطون... وترامب يتراجع
مع تصاعد القصف الروسي وسقوط عشرات المدنيين في هجمات على كييف وخاركيف وسومي، بدأ الرأي العام الأوروبي يثور. خرجت احتجاجات في باريس وبرلين تطالب بدعم أوكرانيا، ووجّه قادة كبار تحذيرات مباشرة إلى واشنطن: إذا لم تتحرك أميركا، فإن روسيا ستستمر في توسعها.
تحت هذا الضغط، بدأت إدارة ترامب بمراجعة جزئية لموقفها. لم تُعلن تحولًا كاملاً، لكنها اضطرت للموافقة على دفعات جديدة من السلاح، خشية أن تفقد مصداقيتها بين الحلفاء.
الواقع لا يتغير بالرغبة
ترامب كان يظن أن بإمكانه "فرض السلام" كما يوقع على صفقة عقار. لكنه اصطدم بالواقع. اصطدم بأن بوتين ليس شريكًا بل مجرم حرب. اصطدم بأن الأوكرانيين لن يسلّموا بلدهم للمحتل. اصطدم بحقائق لا تستطيع البلاغة الشعبوية أن تلغيها: أن هناك شعبًا يُقتل، وأن هناك جيشًا يقاوم، وأن هناك مأساة لن تنتهي برفع الهاتف أو نشر تغريدة.
في زمن الحروب... لا حياد مع الجلاد
التاريخ لن يغفر لمن وقف على الحياد، ولن يبرر لرئيس القوة العظمى في العالم أنه "أراد السلام" بينما كان يُترك الأوكرانيون وحدهم في مواجهة آلة القتل الروسية. لا يمكن بناء السلام على إنكار الحقيقة. ولا يمكن الوقوف في منتصف الطريق بين الظالم والمظلوم.
ترامب لم يفهم، أو لم يُرد أن يفهم، أن السلام الحقيقي لا يُبنى على إذلال الضحية، بل على ردع المعتدي. وأن الشجاعة السياسية لا تكون في الصفقات، بل في الوقوف إلى جانب أولئك الذين يموتون من أجل الحرية.