جورج الأسد

إعادة الإعمار "منطقة منطقة"... لمَ لا؟

3 دقائق للقراءة

 يخيّم على البلاد جو ثقيل من الخيبة والترقّب لدى جميع الأطراف، كلّ حسب ما كانت توقّعاته للتداعيات بعد 27 تشرين الثاني 2024، و نظرته الحالية الى ما تأتّى لاحقاً، وما يتوقّع أن يحدث في المستقبل القريب. كما تتقاذف هذا الوطن الصغير شتّى المؤثّرات التي لا يقوى على حملها، من تعنّت عجمي وتراص بعض الداخل معه، إلى ضغوط دولية عليه بالعصا والجزرة، وبالمهل الساخنة من ستين يوماً وتلك الباردة الممتدة إلى ما قبل نهاية السنة.



في المشهد الراسخ، لا يحيد المجتمع العربي والدولي عن الشرط الأساس المتمثُل بإعادة الاعمار فقط بعد حصر السلاح بيد الدولة، ولا تحيد الأطراف الداخلية المتمنّعة عن حشد أفكار أتباعها بهاجس أن التخلّي عن السلاح هو بمثابة استسلام وترك الطائفة فريسة لجماعات وقوى ما تتربُص للفتك بها.


وهكذا، فإن حلقة مفرغة قد توّلّدت، وهي لا تنفك تضيق بحكم ضياع الوقت مهدّدة بالاطباق على جميع اللاعبين داخلها عند نفاذه. في تلك الحالة سيُجهَز على الوطن ككل، إذ أننا سنُترك على قارعة الطريق ونقبع هناك متحسّرين على تفويت اللحاق بقطار الحل الاقليمي الجديد. هل نريده فعلاً أن يغادر المحطة دوننا، نحو تلك الآفاق من التنمية والتطوّر والاستقرار التي طالما تقنا اليها خلال عقود التقهقر والانكسار التي ابتلينا بها و لغاية اليوم؟



غالبًا ما يُنادى بالتفكير "خارج الصندوق" أو بالتفكير "الجانبي". من هنا لا بد أن يكون هناك مدخل دبلوماسي لحل تسووي يرضي جميع اللاعبين ويخفّف من الاحتقان الحاصل و"يحلحل" الوضع بخلق ظروف مبتكرة تتسّم بالايجابية وبقوة دفع فاعلة.



يستتبع هذا أنه بما أن مفهوم التعامل المسمّى "خطوة خطوة" قد طُرح على الطاولة ولو في إطار مختلف، لمَ لا يتمّ تطبيقه على أساس المباشرة باعادة الاعمار بشكل فوري في المنطقة التي تغدو خالية من السلاح من كل الأنواع، وهكذا دواليك من منطقة لأخرى، وذلك حسب الجدول الزمني المطروح للمناطق الأربع الرئيسة، و هي جنوب الليطاني وشماله والبقاع والضاحية؟



فإذا بُوشِر تطبيق ذلك بمجرّد خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح، سيطمئّن سكّانها إلى ما ستؤؤل اليه أحوالهم، و سيرى أقرانهم في المناطق الأخرى بأم العين أن الوعود جادة وأن لا وجود لأية نيات مبيّتة لهم ولمجتمعاتهم. لا بل سيصبحون أدوات ضغط مهمّة على قياداتهم لكي تيسّر ولا تعسّر تطبيق الجدول الزمني.


اذن، بموجب هذا الطرح، لن تنتظر إعادة الاعمار خلو السلاح من كل لبنان لكي تنطلق ورشتها بعده، إنما ستبدأ أشغالها خطوة خطوة، "منطقة منطقة". وبما أن مدى الجدول الزمني للبلد ككل يمتد إلى أواخر العام الحالي الذي انقضى نصفه أصلاً، لن يكون هناك فرق جوهري بين البدء بإعادة الاعمار بعد شهر أو شهرين و حصول ذلك بعد خمسة أشهر كما في الحد الأقصى المُتاح، ولن يكون هناك مجال للخداع أو الريبة لدى أية جهة. إنما بالتأكيد سينتج من هذه العملية تأثير نفسي ومعنوي عظيم القدر سيتجلّى مناطقياً بإيجابية مطلقة وينعكس بالتدرّج والتراكم على الوطن بأجمعه.


ان سجلّ الدبلوماسية اللبنانية لا يخلو من حلولٍ خلاّقة ومرنة تقدّمت بها في المحافل العربية والدولية سابقاً، خاصةً في عصرها الذهبي. لذا ليس هناك أدنى شك في أنه بإمكانها كسر الجمود والتهديدات الحاضرة باستجماع قوة المبادرة لديها والانطلاق بزخم لتسويق حل كهذا سيمثّل صفقة رابحة ومريحة لكل الأطراف المعنية عند الوصول اليه.

لمَ لا؟


صاحب رأي سيادي مستقل