إزاء مطالبة بعض السياسيين والإعلاميين السوريين باسترجاع أراض لبنانية كحق تاريخي لسورية على لبنان نقول، من الضرورة التذكير بأن الجمهورية العربية السورية ليست «سوريا التاريخية»، «سوريا الكبرى» أو «بلاد الشام»، كما أطلق عليها أهل الجزيرة العربية، إنما هي فقط جزء كما لبنان وكما فلسطين، وكذلك الأردن و«لواء الإسكندرون»، كلها أجزاء من «سوريا الكبرى» التاريخية.
تختلط على البعض هذه الحقيقة بعد تقسيم المنطقة إثر معاهدة «سايكس - بيكو»، التي وقعت بين بريطانيا وفرنسا في بداية القرن الماضي، وجرى بموجبها تجزئة المنطقة التي كانت تعرف تاريخيًا بـ «سوريا» أو «بلاد الشام»، بعد أن كانت ولعدة قرون ولاية من ولايات الإمبراطورية العثمانية.
إن معاهدة «سايكس - بيكو» هي التي أسست الدولة الحديثة في المنطقة، ولم يكن قبل ذلك أي شكل من أشكال الدولة في «سوريا التاريخية» في ظل حكم الدولة العثمانية، وحتى قبلها من دون الدخول في التفاصيل.
من الملفت للنظر أن «سوريا الكنعانية» تاريخيًا كانت من أعظم الحضارات المعاصرة للامبراطوريات القديمة الكبرى، ولم تستطع أن تكون دولة واحدة موحّدة عبر التاريخ مثل مصر، العراق، فارس، اليونان، وروما، اللذين أسسوا دولًا موحدة ومن ثم امبراطوريات. لقد كانت سوريا دائمًا مكونة من دويلات صغيرة، بدءًا من «فينيقيا» حتى تدمر «زنوبيا».
إذا كنا نريد أن ننطلق على أساس فكرة «سوريا التاريخية» لنسقطها على علاقة سوريا بلبنان اليوم، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار كل ما ذكرناه سابقًا، وما يشتمل عليه من معادلات وعوامل بنيوية، لترسيخ قناعة مفادها أن «الجمهورية العربية السورية» بعد «سايكس - بيكو» ليست سوى جزء من بقية الأجزاء المكونة لـ«سورية التاريخية».
صحيح أنها الجزء الأكبر وتحمل اسم سوريا، لكن هذا لا يعطيها الحق أن تدّعي أنها «سوريا الكبرى»، لتطالب بأجزاء من أراضي دول أخرى مجاورة على هذا الأساس. كما لا يحق للبنان المطالبة بأراض داخل الجمهورية السورية بناء على تاريخ وفترة نفوذ «إمارة جبل لبنان» على الولايات السورية حتى حلب خلال فترة حكم الأمير فخر الدين.
إن لبنان ليس جغرافيا فقط، بل هو ثقافة قبل كل شيء، رغم تشوّه نظامه السياسي بالطائفية، ورغم كل الفوضى التي مرّ وما زال يمرّ بها يظل لبنان متمسك بثقافته، وهو يعي تاريخه وتراثه الكنعاني والعربي. كما أن اللبناني منفتح على محيطه، ولا يمانع التعاون، إنما على أساس متين قاعدته أن حرية الإنسان هي القيمة الأعلى.