على مدى قرنين من الزمن، شكّل موقف الدروز في سوريا نموذجًا فريدًا في مقاومة الهيمنة المركزية، وتجلّت رؤيتهم السياسية والاجتماعية في سعيهم للحفاظ على استقلالية جبل الدروز بعيدًا عن تدخلات السلطنة العثمانية ومن بعدها الانتداب الفرنسي.
خلال العهد العثماني، فشلت الدولة في دمج سكان الجبل ضمن نموذجها الإداري والعسكري، فقد رفض الدروز التجنيد الإجباري واعتبروا إحصاء النفوس تمهيدًا لإجبارهم على الخدمة العسكرية، وهو ما قوبل بموجات من المقاومة الصريحة. كما رفضوا دفع الفدية المالية بديلاً عن الخدمة، وهو ما أدى إلى مواجهات مباشرة مع الجيش العثماني. هذا الرفض لم يكن مجرد موقف عملي، بل كان تعبيرًا عن وعي جماعي بخصوصيتهم، والذي تعزز نتيجة السياسات العثمانية القسرية.
لقد نشأت لدى الدروز قناعة بأن الاندماج في الإمبراطورية العثمانية لا يمكن أن يضمن لهم الحماية ولا تمثيلًا سياسيًا حقيقيًا، ولذلك تمسكوا بإدارتهم الذاتية. ومع نهاية القرن التاسع عشر، بات جبل الدروز يُنظر إليه ككيان خاص ضمن الخارطة العثمانية، وقد ساهمت السلطة نفسها – من خلال سياساتها – في تعميق هذا التصور.
ومع دخول الفرنسيين إلى سوريا وانهيار السلطنة، رأى الدروز في الانتداب فرصة لإعادة تنظيم علاقتهم مع السلطة الجديدة، فاجتمع وجهاء الجبل، ورفعوا عريضة إلى المفوض السامي الفرنسي، تمحورت حول الحكم الذاتي الإداري، والامتناع عن فرض الخدمة العسكرية، وعدم تدخل السلطات في الشؤون الدينية، واستمرار النظام القضائي المحلي، بالإضافة إلى مطالب تنموية اقتصادية وتعليمية.
وقد لبّت فرنسا جزءًا من هذه المطالب عبر إعلان "دولة جبل الدروز" عام 1921، ضمن إطار السياسة الفرنسية في سوريا، حيث تم تشكيل حكومة محلية وهيئات تمثيلية، مع فصل الجبل عن ولاية دمشق.
وبذلك كان الجبل لأول مرة، بعد فترة مدحت باشا القصيرة، يفصل عن حوران وعلى مستوى واحد مع دمشق. وفي 28 حزيران 1922 تأسست "سوريا الاتحادية"، ولكنها ما لبثت أن ألغيت سنة 1924، ولم تكن "دولة جبل الدروز" من ضمنها. وفي سنة 1930 كان للجبل دستور تنظيمي، وفي سنة 1936، وبموجب المعاهدة التي أُبرمت في باريس بين الحكومة الفرنسية والوفد السوري، اعتُبر جبل الدروز منطقة إدارية (territoire) من الدولة السورية. وفي مرحلة قصيرة بعد سنة 1939 كاد أن يكون للجبل استقلالية تامة، ولكنه اندمج سنة 1942 في الدولة السورية اندماجاً كاملاً.
ظلّت نظرة الدولة السورية بعد الاستقلال إلى الدروز مشابهة لموقف العثمانيين والفرنسيين، حيث استمر التعامل معهم كمجموعة مذهبية منفصلة، رغم الخطاب الوطني الرسمي، وقد كرّست سياسات حزب البعث هذا الفصل بشكل أكثر تطرفًا، مما زاد من تعقيد علاقتهم مع السلطة المركزية. وانعكست بشكل واضح في الحملات العسكرية التي استهدفت الدروز، أبرزها حملة أديب الشيشكلي عام 1954، ثم الحملة العسكرية حافظ الأسد على السويداء عام 1966، وقد أسفر ذلك إلى تدهور العلاقة بين السلطة المركزية في دمشق والمكون الدرزي.
ضمن هذا الإطار، انتهجت السلطة المركزية في دمشق، سياسة اختراق ممنهجة للطائفة الدرزية، وبلغ هذا الاختراق ذروته في عهد حافظ الأسد، من أجل التحكم بالديناميات الاجتماعية داخل المكون الدرزي، بهدف إحكام السيطرة على الحركة الاجتماعية والسياسية، وهو ما استمر أيضا خلال حكم بشار الأسد.
ومع اندلاع الثورة السورية وسقوط نظام بشار الأسد، عادت الأسئلة القديمة لتُطرح من جديد: ما هو موقع الدروز في الدولة السورية الجديدة؟ وهل سيتم الاعتراف بخصوصيتهم؟ جاءت الإجابة من زعيم الطائفة، الشيخ حكمت الهجري، الذي أعلن بوضوح رفضه للدستور الانتقالي الجديد، واصفًا الحكومة الانتقالية بـ"المتطرفة"، ومؤكدًا أن الطائفة لن تقبل بقرارات لا تضمن حقوقها الوطنية والدينية والثقافية.
يرى كثيرون أن هذا الموقف يعكس مخاوف تاريخية لدى الدروز من أن تكون السلطة المركزية أداة قمعية جديدة، تعيد إنتاج الأنماط القديمة نفسها تحت شعارات جديدة، وهو ما يُعبر عن غياب الثقة بين المرجعيات الدرزية في سوريا مع السلطات المركزية في دمشق.
وفي إطار بناء الثقة وتعزيزها بين المكونات السورية والدولة، لا بد من الاعتراف الفعلي بالتعددية السورية، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية، واعتماد نظام حكم لامركزي يضمن المشاركة العادلة كضامن لوحدة وطنية متماسكة تقوم على الشراكة لا على الإقصاء.