راشيل علوان

جبل العرب والبحث عن الكرامة والإنصاف

هل تبني دمشق جسور الثقة مع السويداء؟

3 دقائق للقراءة
الأمن ينتج من الثقة والتشارك (رويترز)

في السنوات الأخيرة، أصبحت السويداء مسرحًا لحوادث معقدة ومتسارعة، تعكس تحوّلات اجتماعية وسياسية وأمنية عميقة في جنوب سوريا. من احتجاجات شعبية سلمية إلى اضطرابات أمنية، ومن مطالب إصلاحية إلى مطالب جذرية بالكرامة والعدالة. يبدو أن جبل العرب يرسل إشارات واضحة: العلاقة مع دمشق بحاجة إلى إعادة نظر، لا على أساس السيطرة، بل على أساس الاحترام المتبادل.


شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، سلسلة من الاحتجاجات منذ عام 2020، لكنها تصاعدت بشكل لافت خلال عامَي 2023 و2024. خرج الآلاف إلى الساحات مطالبين بالإصلاح السياسي، والعدالة الاجتماعية، وإنهاء الفساد، بل طالبوا أحيانًا بإعادة النظر في شكل العلاقة بين المحافظة والدولة السورية. اللافت في تلك التظاهرات كان سلميتها الواضحة، وشعاراتها التي جمعت بين الوطنية والكرامة، وهو ما ميّز خطاب أهل الجبل تاريخيًا.


في مقابل هذه الديناميكية، واجهت حكومة الأسد آنذاك هذه التحرّكات بتفاوت: تارة بالإهمال، وتارة بالاحتواء المحدود، وأحيانًا بالتخوين الإعلامي، من دون أي مسار واضح يوحي بوجود رغبة حقيقية في فتح قنوات سياسية ناضجة مع أبناء السويداء.


اليوم في سوريا الجديدة، الدولة تسعى إلى الأمن وبسط سيادتها وسلطتها على كامل الأراضي السورية، لكن في الأيام القليلة الماضية، تحوّلت مدينة السويداء إلى ساحة حرب... إلى مدينة خائفة ومتشكّكة في دولتها. من هنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستبني دمشق جسورًا حقيقية مع السويداء؟ أي جسور سياسية ومجتمعية مبنية على الحوار والاحترام المتبادل، لا على الإخضاع الأمني؟


الرئيس السوري أحمد الشرع توجّه في كلمته الأخيرة بعيد حوادث السويداء إلى دروز سوريا، مؤكداً حماية حقوقهم وحريتهم ورافضاً أن تكون سوريا مكانًا للتقسيم وزرع الفتنة. ولكن في مدينة تحوّلت فيها أدوات الحلاقة إلى بندقية هدفها إذلال الناس أكثر من قتلهم، على أساس تمييز طائفي بشع، يصعب على أهلها الثقة بدولتهم وشعاراتها. وبالتالي، يبقى الخطاب الرسمي يتجاهل عمق المشكلة، فالأمن ينتج من الثقة والتشارك ولا يُفرض بالقوة فقط.


وهنا تظهر المفارقة التاريخية: فالسويداء لم تخضع يومًا لمن لم يحترمها، ومن يعرف تاريخ جبل العرب يدرك أن القوة وحدها لم ولن تكون وسيلة للسيطرة عليه، بل العلاقة الحقيقية تُبنى على الشراكة والاعتراف بقيمة هذا المكوّن الوطني.


رغم محاولات التهميش، تبقى السويداء جزءًا حيًا من النسيج السوري، وعطاء أبنائها في تاريخ سوريا المعاصر حاضر في الذاكرة الوطنية. لكن استمرار تجاهل صوت الشارع هناك، من دون فتح مسار سياسي حقيقي، لا يخدم وحدة سوريا ولا استقرارها، بل قد يؤدّي إلى مزيد من الانفصال النفسي والسياسي، خصوصًا لدى جيل شاب بدأ يفقد الثقة بمركز القرار.


الخيار إذًا بيد دمشق، فالسويداء ليست تمرّدًا، وليست فتنة، بل هي نداء، نداء لحياة كريمة، لعدالة حقيقية، ولمكانة مستحقة. فهل تسمع دمشق هذا النداء؟ وهل تبني الجسور التي تحفظ الكرامة قبل أن تبحث عن السيطرة؟ الزمن كفيل بالإجابة، لكن التاريخ يُذكّرنا بأن جبل العرب لا يُدار إلّا باحترام، وأن من أراد الولاء، عليه أوّلًا أن يُظهر الإنصاف.