طارق أبو زينب

المارد السني ينهض والعمامة البيضاء تضيء عتمة الدولة

4 دقائق للقراءة

في خطابه الأخير قبيل زيارته إلى سوريا، أعلن مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان أن زمن الصمت السني قد ولّى، مشيرًا إلى شعور الطائفة بالظلم والتهميش، ورفضها محاولات الإقصاء من المشهد الوطني. لم تكن كلماته مجرد موقف ديني، بل إعلان سياسي بأن الطائفة السنية تستعيد دورها بشروطها، في لحظة إقليمية تتراجع فيها القبضة الإيرانية وتتقهقر الميليشيات إلى قواعدها.



لم تعد الطائفة السنية تقبل الغياب في وطنٍ اختُطفت سيادته لصالح مشروع خارجي. فجاءت زيارة المفتي إلى سوريا كرسالة قاطعة بأن السنة شركاء مؤسسون لا يمكن تجاوزهم. ومن يظن أن صمت "العمامات البيضاء" ضعف، يضلل نفسه. فالحضور السني اليوم ليس انفعالاً ظرفيًا، بل استعادة هادئة وواعية لدور طالت مصادرته.




التهميش بعد اغتيال الحريري

لفهم هذا التحوّل، لا بد من العودة إلى سياق الإقصاء الذي بدأ باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق الشهيد رفيق الحريري عام 2005، وما تلاه من حملة منظمة استهدفت البيئة السنية بالاغتيالات والتهميش السياسي والرمزي. قُتل قادتها، سُجن شبابها، وشُوّهت رموزها، فيما فرض "حزب الله" معادلة القوة في 7 أيار 2008 باجتياحه بيروت، في يومٍ أسود استُبيحت فيه كرامة الطائفة، فقط لأنها طالبت بدولة حرة ومستقلة .



صبر لا يعني استسلاماً

في حديثه إلى "نداء الوطن"، يؤكد المحامي والناشط السياسي أمين محمد بشير أن الطائفة السنية "لم تكن عاجزة، بل اختارت الصبر والتمسّك بالدولة، رغم محاولات فرض الهيمنة". ويشير إلى أن "تواطؤ بعض القيادات السنية مع مشروع "حزب الله" ساهم في تعميق الشعور بالخذلان داخل بيئتها".

لكن هذا الصبر انفجر في محطات مفصلية: من صرخة الشيخ أحمد الأسير، إلى انتفاضات طرابلس وعرسال التي وُصمت زوراً بالإرهاب، وصولًا إلى جريمة تفجير مسجدَي التقوى والسلام في طرابلس، والتي تشير أصابع الاتهام فيها إلى النظام السوري السابق وأذرعه .


المفتي يعبّر عن وجع جماعي

وفي السياق ذاته، يرى الرئيس السابق لجمعية المقاصد الخيرية في صيدا، المهندس يوسف النقيب، أن الطائفة السنية "اختارت الدولة رغم التهميش المتكرر، لكنها اليوم على حافة نفاد صبرها الاستراتيجي". ويشدد على أن "من يظن أن الصوت السني غائب يجهل أن صمت الطائفة لم يكن ضعفًا، بل خيارًا لتجنّب الفتنة وحفاظًا على السلم الأهلي".



ويضيف النقيب أن مواقف المفتي دريان "عبّرت عن وجع جماعي، لا عن رأي فردي. لقد تحدّث باسم مكون عروبي يشعر بالإهانة السياسية، ويواجه محاولات ممنهجة لتقليص دوره في وطنه. ويؤكد أن السنّة لا يطالبون بامتيازات، بل بحقهم الطبيعي في شراكة وطنية داخل دولة عادلة تحترم القانون والمؤسسات".



واعلن النقيب أن تراكم الأزمات وتغوّل الهيمنة دفع بالصمت السني إلى أقصى حدوده، حتى صار يُفسر كعلامة على ظلم متصاعد. ويتجلى هذا، حسب قوله، في استمرار توقيف عدد من المشايخ والشباب السنة دون محاكمات عادلة، ضمن سياسة منهجية تهدف إلى تقزيم الدور السياسي للطائفة. ورغم ذلك، يؤكد النقيب تمسك الطائفة السنية بالمؤسسات الوطنية، وثقتها الكاملة بسلاح الجيش اللبناني كونه الضمانة الحقيقية لكل اللبنانيين، داعياً في الوقت ذاته إلى تعزيز التقارب والتعاون بين جميع المكونات اللبنانية ذات التوجه السيادي .

ويختتم النقيب بالتنبيه إلى خطورة الحملات التي استهدفت المملكة العربية السعودية من داخل الساحة اللبنانية، معتبرًا إيّاها محاولة مكشوفة لفصل السنّة عن عمقهم العربي ومرجعيتهم التاريخية، ودفع لبنان نحو مزيد من العزلة والتهميش.



العودة إلى الدولة

السنّي المعتدل ليس طائفيًا، بل مواطنًا واعيًا لقيمته ودوره. لا يطمح إلى الهيمنة، بل يطالب بشراكة وطنية عادلة ومتوازنة. هو بطبيعته أقرب إلى كل معتدل يؤمن بالدولة والعدالة، مسيحيًا كان أو غيره. أما الإصرار على تهميش هذا المكوّن الوطني، فهو تجاهل لتحوّلات عميقة في الوعي والواقع. فلبنان لا يُبنى على الغلبة، بل على التوازن والاحترام المتبادل.