ماريانا الخوري

"رجعنا يا لبنان"

"مهرجانات الأرز" روت عطش اللبنانيّين للفرح

5 دقائق للقراءة

بعد انقطاع دام خمس سنوات، تنسّم أرز بشرّي من جديد الفرح والموسيقى، على وقع اللقاء الجامع في "مهرجانات الأرز الدولية". فعلى ارتفاع شاهق من الألم الذي خلّفته الأزمات المتتالية في بلدنا، ومن رماد الانفجارات والحروب، انطلقت مساء السبت الفائت، فعاليات المهرجان الفنّي الأبرز في لبنان تحت عنوان "رجعنا يا لبنان"، في مشهد أعاد الأمل وأحيا صورة البلد التي طالما حلم بها اللبنانيون: بلد الحياة، الفن، الحضارة، والتنوّع.


عودة "مهرجانات الأرز" لم تكن مجرّد حدثٍ فنّي، بل هي تجسيد لرغبة عارمة في طيّ "الحداد العام"، وترميم الروح اللبنانية المكسورة، من خلال رسالة واضحة أنّ لبنان لا يزال قادرًا على استقبال الوفود، تنظيم المهرجانات، واحتضان اللقاءات الجامعة في قلب جباله العريقة. فمن هنا، من باب الأرز ومنبت جبران خليل جبران، نأمل أن تبدأ عودة الوطن إلى ذاته.


استقبال "ع اللبناني"

قبل نصف ساعة من موقع إقامة المهرجان، بدأ استقبال الوافدين إلى أمسية افتتاح المهرجان، على الطريقة اللبنانية الأصيلة: ضيافة من العصير البارد، والماء، والشوكولا، للتخفيف من تعب الطريق الطويلة نحو الأرز. ومع الاقتراب أكثر فأكثر من مكان الحفل، بدت الحشود كأنها نهر بشري يصعد إلى الجبل ليلتحم مع رمزيّته. صحيح أنّ زحمة السير كانت خانقة، لكنّها مبشّرة، والأمن المشدَّد عند المدخل أضفى طابعًا رسميًا وثِقةً بأنّ الأمور تحت السيطرة. 


في الصفوف الأمامية، حضرت السيّدة الأولى نعمت عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، ورئيس حزب "القوات اللبنانيّة" الدكتور سمير جعجع، ورئيسة لجنة "مهرجانات الأرز الدوليّة" النائبة ستريدا جعجع، إضافةً إلى عدد من الوزراء والنوّاب والشخصيّات من مختلف القطاعات، فضلًا عن تمثيل دبلوماسي لافت، على رأسه سفيرة الولايات المتحدة ليزا جونسون، وجمهور غفير من مختلف المناطق.


من النشيد إلى "ميّاس"

افتُتحت الأمسية بالنشيد الوطني اللبناني، تبعته كلمة للنائبة جعجع شكرت فيها كلّ من ساهم في إعادة هذا الحدث إلى الحياة، مؤكّدةً أنّ الثقافة والفن هما قلب لبنان الحقيقي، ومن دون الحياة لا يبقى للوطن معنى.


تلى الكلمة إطلاق مفرقعات نارية أضاءت سماء الأرز حوالى أربع دقائق متواصلة، قبل أن تبدأ "فرقة ميّاس" اللبنانيّة العالميّة عرضها الاستثنائي. وكالعادة، لم تخذل "ميّاس" جمهورها، فقدّمت عرضًا فنيًّا بصريًّا مهيبًا، مزج بين الشرق والغرب، الأصالة والتجديد، انتصر للأنوثة والإبداع، ما جعل الجمهور يغوص في عالم من السحر والدهشة.


الجمهور كان في حال بهجة، فالابتسامات كانت تروي قصة عطش للفرح، واحتضانهم بعضهم البعض على نغمات الإيقاع بدا وكأنه لحظة مصالحة وطنية عفوية تحت قبّة السماوات العالية.


أمل وفرح رغم الجراح

"نداء الوطن" التقت بعض الشخصيّات والوجوه الحاضرة. النائب جورج عقيص قال: "اللبناني يُحيي الفرح واللقاءات الجامعة، خصوصًا بعد انقطاع دام 5 سنوات، وبعد الأزمة وانفجار المرفأ والحرب الأخيرة. اليوم عرس وطني جامع، نرى كلّ اللبنانيين متّجهين إلى الأرز لأخذ الأمل بالغد، رغم كل الدّم الذي يُسفك في المنطقة والذي نأسف عليه. نحن، رغم كل شيء، نشعر مع الشعوب الأخرى ومع آلامهم، لأننا عشنا هذه الآلام. لكنّ الوقت حان لنعيش الفرح، في دولة حقيقية. هذا لقاء جامع بكل الطوائف والتوجّهات والمناطق. وستريدا جعجع هي أرزة تضاف إلى غابة الأرز في لبنان".


نريد لبنان واحدًا

وفي وقت لا تزال فيه بعض المناطق اللبنانية تتعرّض للقصف والتصعيد الأمني، رأى البعض في تنظيم مهرجان ضخم كهذا، نوعًا من التناقض بين مشهد الفرح في منطقة ومشهد المعاناة في أخرى. الوزيرة السابقة مي شدياق ردّت على هذا الكلام، فقالت في حديث لـ "نداء الوطن": "نحن نفضّل أن يكون هناك لبنان واحد، لا لبنانان. لا ننسى كيف كان البعض يستهزئ بنا عندما نقول إن لبنان بلد الثقافة والسياحة والفنون. الفرق أنّ من قرّر خوض حرب الإسناد لم يسأل غيره، ولم يسألنا. نتمنّى أن يخرج بلدنا من هذه الكبوة، وأن يُعاد إعمار الجنوب وكلّ المناطق المدمّرة. فإذا كان هو قرّر الانتحار، لا يمكنه أخذ كل البلد معه إلى الانتحار. لا أعلم إذا كانوا يرون نصرًا ما، لكنني لا أرى سوى الهلاك في موضوع السلاح. نأمل أن يصبح كلّ لبنان مثل هذا اليوم الجميل، لا لبنان الدمار والمآسي. هم شاركوا في مآسي الكثير من اللبنانيين، فجّرونا واغتالونا، لكنّنا قررنا أن نعيش. ونتمنّى عليهم أن يقرّروا العيش أيضًا".


نريد لبنان عظيمًا من جديد

وعلى هامش مشاركة سفيرة الولايات المتحدة الأميركيّة ليزا جونسون في المهرجان، سألتها "نداء الوطن" رأيها بشعار "Make Lebanon Great Again"، وهو العبارة التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فردّت جونسون بالإنكليزية مبتسمة: "We want to make Lebanon great again too."


وهذا ما يتمنّاه كلّ لبناني اليوم: أن يعود وطن الأرز عظيمًا من جديد. لبنان جبران وفيروز وميّاس، لا لبنان الكراهية والسلاح والدمار، ورهينة الانعزال والأيدي التي "تكره اللّون" وتشوّه الجمال وتطعن الحياة. فلبناننا ليس أرض صراعات بل منصّة للفرح، ومساحة لقاء لا افتراق. ومن أرز لبنان ومعه، نرفع الصوت: دعوا لبنان يُزهر ويُبدع، ويُحِبّ… فهو وطن لا يُشبه إلّا ذاته.