مرحبًا، اسم صديقتي "سُهى"، ويبدو أنه قد سها عن بال الذبذبات الإيجابية أن تحوم حول رأسها يوم وُلدت. ومن يومها انطلق مشوارها مع "المنحوس منحوس لو علّقولو فانوس". وُلدت "سُهى" تحت نجمة خافتة يُقال إنها كانت تحاول الاستقالة يوم ولادتها. منذ صرختها الأولى، بدا وكأنّ الطبيعة تهمس لها: "مش وقتو هلّق، بس يلّا شهلي." وهكذا، بدأت مسيرتها كمنحوسة معتمدة. لكنها لم تكن تراه شقاءً، بل ميزة. فبينما يلاحق الجميع الحظ السيئ، هو وحده من يلاحقها.
أولى العلامات ظهرت مبكِّرًا، عندما انفجرت "البيبرونة" الساخنة في وجه القابلة لحظة إطعامها. وصفت أمّها المشهد بأنه أكثر سينمائيّةً من أفلام الرعب. منذ تلك اللحظة، أُطلق عليها لقب "قاهرة القناني"، وبدأت رحلة لامنطقية من المصادفات الغريبة.
في الخامسة من عمرها، شاركت في مسابقة رسم، وقدّمت رسمة لِبَطّة. بينما فاز طفل رسم خطًا أحمر، وسمّاه "تعبير عن الغضب الداخلي". وعندما سألت لجنة التحكيم، أخبروها بجملة غامضة: "أنتِ مرسومة، مش راسمة". وما زال هذا التفسير عصيًّا على الفهم حتى اليوم.
حادثة الريموت التاريخية
في أحد الأيام، حاولت "سُهى" تغيير قناة التلفزيون في منزل جدّتها بالضغط على الزرّ رقم "9" في الريموت، فانقلب القمر الصناعي رأسًا على عقب، وانقطع البث في الوطن العربي بأكمله. سرعان ما أصبح اسمها متداولًا في اجتماعات "الجامعة العربية"، لا تكريمًا بل لاشتباههم في أنها عميلة لجهاز تحكّم خارجي. كم يطيب لها ترداد هذه "التفنيصة" لتعبّر عن مدى كونها منحوسة.
تاريخ يا نحس
صديقتي "سُهى" متخصّصة في الأمثلة التاريخية على النحس. بالنسبة إليها المسألة أعمق من فردية، لذلك تعتبر أنه لا يمكن الحديث عن النحس دون استعراض بعض الحالات الكونية التي تدعم فكرة أنّ النحس ليس فرديًا، بل يمتدّ عبر العصور:
الملك توت عنخ آمون أو "لعنة الفراعنة" لم تكن مزحة، كلّ من اقترب من قبره، واجهه مصيرٌ غامض. أحد العلماء سقط عليه السقف من دون أن يتحرّك. حتى المومياءات كانت تهمس: "اخرج يا منحوس!".
أما فرانز فرديناند، وليّ عهد النمسا، فقد اغتيل بالصدفة أثناء تناول قاتله شطيرة. لم يكن في العادة ماهرًا في الرماية، لكنّه وبِنَحس فرانز وصلت الرصاصة وأشعلت حربًا عالمية، بينما كان يمكن للرصاصة أن تطير في الهواء و "تطوش"، ويكمل القاتل أكل الشطيرة. المخترع النروجي الذي نجا من "التيتانيك" في العام 1912، ظنّ أنّ الحياة ابتسمت له، ليصعد بعدها بسنتين على "إمبريس أوف آيرلندا" التي غرقت أيضًا. عُرض عليه لاحقًا العمل كنظام إنذار نحسيّ متنقّل.
منحوسة رقمية
تؤكّد "سُهى" أنّ التكنولوجيا حتى، لم تُنقذها. عام 2022، اشترت هاتفًا ذكيًّا، وطلبت من "سيري" أن تُضيء المصباح، فتمّ التبليغ عنها كتهديد أمني. السبب؟ جملة عفوية مثل: "أضيئي الدنيا يا سيري"، تُرجمت من قِبل الخوارزميات كخطّة لهجوم إرهابي. اللعنة امتدّت عبر "الواي فاي": مع كلّ محاولة لتشغيل اللابتوب، ينطلق تحديث إجباري، وغالبًا في أسوأ توقيت. في إحدى المرّات، بدأ التحديث خلال تقديمها عرضًا مفصَّلًا أمام المدير. والنتيجة؟ ترقية غير متوقعة إلى "زائرة دائمة في البيت" بدلًا من المكتب.
قصة حقيقية
في حفل زفاف إحدى صديقاتها، اختيرت كوصيفة شرف. تعثّرت بِـ "كابل" صوتيّ عند دخولها، فسقطت سمّاعة ضخمة على قَدَم عمّ العريس، وارتدّت لتسقط على الكعكة، ثم على العروس. الضحك تحوّل إلى دموع، والدموع إلى خناقة محتدمة بين العروسَين بعد أقلّ من ساعتَين فقط من قول "نعم". ومنذ ذلك اليوم، يُطلب منها توقيع "تعهّد بعدم الحضور" إلى أيّ مناسبة.
النحس في الحب
أحبّت "سُهى" ثلاث مرّات. الأول كان اسمه مازن. وسيم، لطيف، يشبه أبطال المسلسلات التركية التي تعشقها. عندما صارحته بمشاعرها، أجابها: "وأنا أحبّ... النسكافيه". منذ ذلك اليوم، بات أيّ اعتراف منها يُقابَل باسم مشروب ساخن.
الحبّ الثاني، كان شابًا غنيًّا يُشبه مازن في الخيال. ظنّت يومها أنها ضربت النّحس ضربةً قاتلة، لكنّ الزوج الثريّ كانت يده "بالكرم دبوس"، أي كان بخيلًا جدًا. أنجبت منه فتاة أسمتها "تريفل"، أي "زهرة الحظ"، وصبيًّا كم كانت تودّ لو أسمته "فانوس". كان حظّه يسابق حظها، و "منحوس يا صبي منحوس".
أما حبّها الثالث، فقد احترق حاجباه بسببها. عشقته رغمًا عنها، مع أنها متزوّجة. وفي مفاجأة عيد ميلاده، وضعت سهمًا ناريًا صغيرًا عوض الشمع، على قالب الحلوى، فلم يعد بإمكان العشيق "عقد الحاجبَين"، لكن على الأكيد تمنّى قتلها "مرّتَين".
منحوس بالفطرة؟
بحسب صديقتي "سُهى"، بعض العلامات لا تُخطئ. إن كانت المظلّة تُمطر عليك وحدك، أو إن توقَّف المصعد في كل طابق مع أنك الراكب الوحيد، فالحياة تُرسل إليك إشارات واضحة. وإذا حدث وسألتَ أحدهم: "في حدا مات؟"، تكتشف أنّ جدّته توفّيت فعلًا منذ ساعة. فالتوقيت وحده يفضح قدراتك الخارقة في تعطيل اللحظات. أما إن حاولتَ فتحَ الباب بالمفتاح الخطأ فانكسر في القفل، وأصبحت عالقًا بين طابقَين ونفد الصبر، فالحياة ترسل رسالة صوتيّة بعنوان: "ارحم نفسك". "سُهى" خبيرة قلة الرحمة!
نصائح "سُهى" (غير المضمونة)
من أرشيف تجارب "منحوسة محترفة"، تأتي هذه النصائح المُجرَّبة، لكنها غير مضمونة:
- لا ترتدي الأبيض في أي مناسبة. حتى "حفلة بيجاما" قد تتحوّل إلى "مهرجان بقع".
- لا تثق بساعة "الميكروويف". عند أول حاجة لها، تنقلب إلى خائن زمني.
- لا تنطق عبارة: "اليوم مرق بسلام". الطبيعة تفهمها على أنها دعوة رسميّة للفوضى.
النحس في التغذية الصحية
في محاولة يائسة لتغيير نمط حياتها، قرّرت "سُهى" أن تبدأ يومها بشرب عصير برتقال طازج. الفكرة بدت بريئة في البداية. استفاقت باكرًا، قطّعت البرتقال، وأخرجت العصّارة التي ورثتها عن خالتها سعاد، والتي كانت تُستخدم أساسًا كأداة تعذيب في العصور الوسطى. بدأت بالعصر، ثم فجأة... انقطع التيّار الكهربائيّ في الحيّ بأكمله. لاحقًا، تبيّن أنّ الجهاز تسبّب في "ماس كهربائي" انعكس على محطّة فرعيّة.
لكنّ القصة لا تنتهي هنا. ففي اللحظة التي قرّرت فيها عصر آخِر قطعة يدويًّا، قفزت قطّتها على الطاولة، سحبت الكوب، وسكبت العصير على "اللابتوب". الجهاز أصدر صوت "تششش"، كأنه يحاول أن يقول: "كفى، أنا أستقيل".
وفي خضمّ الفوضى، تلقّت مكالمة من العمل: العرض التقديمي الذي أرسلتِه البارحة (نسخة خاطئة فيها صورة "دبّ باندا" بدلًا من الرسم البياني) تمَّ عرضه على العميل، والعميل الآن يُطالب بتفسير حول "ما علاقة الباندا بسوق العقارات؟".
في نهاية اليوم، وجدت نفسها تشرب شايًا باردًا في كوب بلاستيكي، بجوار شمعة مذابة، وهي تهمس: "الصحّة شيء جميل، لكن النحس أجمل".
فخر النحس
النحس ليس لعنة، بل شارة شجاعة. فبينما يلهث الجميع وراء "الفرص"، يمتلك المنحوسون علاقة شخصية مع المفاجآت. كلّ صباح، تتساءل "سُهى": ما أغرب شيء قد يحدث اليوم؟ ويجيب القدر فورًا وبحماس. وإذا ابتسم أحدٌ في أثناء قراءة هذا المقال ثمّ انسكبت قهوته على بنطاله، يكون قد انضمّ رسميًّا إلى "نادي المنحوسين". الباب مفتوح، لكنه سيُغلَق وحده على إصبعك، على الأغلب.