"من طبيعتي أنني أحبّ العواصف (...)"
"أنا للعواصف شرّعت جبهتي!"
"جبهتي في السماء يا عاصفة..."
"لن تحني عاصفة ما جبهة لي..."
هكذا أطلّ فؤاد سليمان، وترًا مشدودًا، قلمًا ناريًّا متمرِّدًا لا يلين. أطلّ باكرًا، واحتلَّ موقعًا في الأدب اللبناني، لا قبله ولا بعد، أسلوبًا جديدًا، كتلة من نار. ثم راح فؤاد سليمان. باكرًا أخذته عاصفة الصباح، اقتلعته كشجرة اللّوز التي أحب، على فم الوادي في ضيعته، وكانت مثقلة بعد بألف موسم ووعود!
ولد فؤاد سليمان في فيع (الكورة-شمال لبنان) عام 1912، درس في طرابلس وفي "جامعة القديس يوسف"، ومارس التدريس في "الكليّة الثانويّة" في "الجامعة الأميركية في بيروت"، رحل عام 1951. من أعماله المنشورة شعرًا وأدبًا ومقالة: "درب القمر"، "تمّوزيّات"، "أغاني تموز"، "القناديل الحمراء"،" يا أمّتي". بالإضافة إلى أطروحة مفقودة في أدب جبران وفكره، فضلًا عن مسرحيّتَي "العاصفة"(مفقودة) و "المجنون"(غير منشورة). احتلّ زاوية "صباح الخير" في صحيفة "النهار" ، كان يوقّعها باسم "تمّوز"، تيمّنًا بإله أشور القديم.
"تمّوز" و "درب القمر"
أطلّ ذات صباح نهاية الأربعينات، معرّفاً "بتمّوزه": "(...) وأنه من أجل الخير وحده ولا شيء غير الخير، يرتفع هذا الصوت من هذه الزاوية في هذا "النهار" وفي كل "النهارات". من أجل الخير، يحمل تمّوز قوسه وسهمه ويمشي في غابات هذا البلد، يصارع الوحوش البرية المنتشرة في جبالنا وسهولنا. ولن ترحم سهام تمّوز وحشاً، فلا يبقى عندنا غير الخير".
يوم صدر "درب القمر" أعاد فؤاد سليمان للعربية نكهةً وبريقاً، عصبًا مجدولًا في النبض والإيقاع وذلك الحنين، على رومانسيّة لا انهراق فيها. أطلّ فؤاد سليمان قامةً أدبية شررها جِدّة وتحديث بدأ هكذا في "درب القمر": "(...) دروبنا في الجبل حكايات، واحدة للجرار الحمر، وواحدة للغناء والحداء، وواحدة للعناقيد في الكروم، وواحدة للقمر. كأنّ القمر لا يطلع إلا فيها (...). درب القمر، حفيت شفاه القمر فيها، وحفيت حجارتها من خطاه!".
حنين إلى الزمن الآخر
وفي "العنقود الأخير" يُمعن في نشيد حنين إلى الزمن الآخر، إلى مناخات الضيعة وناسها والقيم: "أثمن ما كان شيوخنا المباركون. هؤلاء راحوا، ولم يبقَ منهم في بلاد الجبل غير السكّة المكسورة والمعول المهجور. فيضي يا أرض فيضي، وأملأي البيوت قمحًا ودبسًا وخمرًا وزيتًا وزيتونًا".
حين صدر "درب القمر" كتب مارون عبود: "الشاعر والأديب الذي كانت النار تندلع من عينَيه والكهرباء ترعد أعصابه، حيثما تصادفه تنبئك عنه خصلتان: عاطفة من نار آكلة، وكلمة من حديد مُحمّى".
كان يحمل حساً عميقاً بهموم الناس وأوجاعهم، وكان صوته صارخًا مدوّيًا: "ما أحوجنا إلى مسلخ وسكّين، وسلّاخ ينزل سلخاً بالجلود السميكة والوجوه الصفيقة، هتراً وبتراً في الدمامل المهترئة التي يأكل صديدها دمنا. اسلخ ولا ترحم الأيدي التي امتدت إلى أرزاقنا، والأرجل التي داست أعتابنا. اسلخ حتى لا يبقى فينا غير النظيف والصحيح. أيها المتاجرون برغيف الحياة: هذا رغيفنا نحن، طحنّاه بقلوبنا، ونحن عجنّاه بدموعنا، بآلامنا خبزناه، وسنأكله لأنه لنا".
نريد قائدًا
إلى عاطفته المتّقدة، كان فؤاد سليمان سَوطاً لا يرحم. في "ملوك العرب في الفريكة" وكان معجباً بقامة أمين الريحاني الفكريّة، كتب مشهداً متخَيَّلاً في بيت أمين الريحاني وفي حضور أصدقائه ملوك العرب وأمرائهم: "رهبت الدخول إلى قاعة الملوك وكان الريحاني يتكلّم بهدوء وحزم: شعوبنا تعيش مخدّرة، الأفيون يخدّرها، نريد قائدًا، فلا نجد إلا ركايا في التكايا. كلّكم عظماء، لكنّ الأمّة أعظم منكم والشعوب التي تحكمونها أعظم منكم".
هالتْهُ قسوة المدنية في شوارع المدينة، ومنظر الناس الأرقام، واللّهاث وراء الرغيف. كتب عام 1937: "(...) وعندما أمشي في طريقي إلى هموم الحياة، أجرّ رجليّ على الإسفلت المحموم وراء القرش والرغيف، وعيناي في ظلمات الأرض. يمشي بجانبي طفل وقلبه وروحه وعيناه تتطلع إلى هناك. إلى قريتي".
كان يؤذيه التعصّب في الدِّين، والمتاجرة بالسماء: "ما أرى في نفسي أعمق من هذا الله، تنادي به العشايا في كل قبّة من القباب في بلادي... الله أكبر، الله أكبر".
ويتوجّه الى أهل الجمهورية: "(...) متى يصبح الله كبيرًا أيها الناس، وتصغر أحقادكم؟ وأنت يا صاحب هذا الصوت النقيّ، مدّ صوتك ما تشاء، فما يسمعك أحد من الناس في هذه العشيّة، غير الله".
تحيّات الرحيل
يوم رحل فؤاد سليمان مطلع الخمسينات، حيّته أقلام الأدباء. كتب ميخائيل نعيمة: "عاش ليخضّب خضرة آماله، وسرّ أحلامه، بحمرة دمه". وكتب حسين مروة في "صوت المرأة": "مات فؤاد سليمان وهو كالكرمة التي تحلم بالعنقود سنوات". وكتب أيضًا مارون عبود وأدونيس وأنطون غطاس كرم ومصطفى فرّوخ وميشال طراد وغيرهم.
ويوم صدرت "القناديل الحمراء"، كتب أنسي الحاج في المقدمة: "مرّ فؤاد سليمان كعاصفة في حلم، سيبقى وجه كلمته محفورًا بالحياة، طفل يحدق في الموت".
أما هو فكتب عن نفسه: "شِعري لم يُكتب بالحبر بل بالدم، إنّ أدبي أدب العاصفة".
قبل رحيله بأيام، وكان على فراش الوهَن، أمسك فؤاد سليمان قلمه المرتعش وكتب مجهَدًا، وكانت أخته قربه، وكان آخر ما كتب: "بعدُ يا أختي حكايات، لم تحكها حروف في قلمي".
تنويعات
في كتابات فؤاد سليمان تنويعات. ينتقل من الوجدانيّات إلى رومانسيّة الضيعة وقمرها، إلى الصوت الهادر في زاوية "النهار" والسَّوط اللّاسع... كتب غزلاً... "وفي الدرب عندنا، نلمح الصبيّة الحلوة في شبابيك بيتها، تَمسحُ البلّور بالبلّور... لوّحت لي مرة... عيناها ما أعرف لونهما حتى اليوم!. في البيت عندنا من يقول: "إنهما بلون العسل"! يومها عرفت "درب القمر"! ما غاب قمرٌ في ضيعتنا، إلاَّ من هناك، ولا طلع قمرٌ إلّا من بيتها، فوق الدرب...!".
في حوار نوستالجي مع أمه:
- "عهدي يا أمّاه، أنَّ عندنا في الحديقة، شجرة لوز، حفرنا في ضلوعها أسماءنا!".
- "كسرتها العاصفة... زرعها أبوك قبل أن يأخذه البحر، وقال: كُلوا منها، على اسمي واذكروني".
- "والعريشة وفوقها القمر؟".
- "يبست الدالية".
- "هل مات القمر -يا أمّاه- مع العريشة؟".
- "... وفي رصيف المرفأ، لقيتُ والدي... أعاده البحر... وعندما ضمّنا الى صدره، أحسستُ أنّ بيتنا امتلأ بالمواسم، ورأيت من خلال دموعي، الدّالية مُثقلة بالعناقيد... تُرى، لِمَ لَم يسألني والدي عن القمر الذي فوق الدالية؟!".