مقدّمة وضعها هنري زغيب

"مختارات من فؤاد سليمان" كتبها بأعصابه لا بالقلم

8 دقائق للقراءة

صَدَر عن "دار سائر المشرق" كتاب "مختارات من فؤاد سليمان"، من 264 صفحة من القطع الصغير. وسليمان من مواليد بلدة فيع في منطقة الكورة، شمال لبنان، عام 1912. درس في طرابلس، ثم في "جامعة القديس يوسف" في بيروت. لاحقًا درّس الأدب العربي، وكتب في صنوف أدبيّة عدّة، من الشعر إلى الأدب فالمقالة. رحل عام 1951 تاركًا مؤلّفات عدّة أبرزها: "درب القمر"، "تمّوزيّات"، "أغاني تموز"، "القناديل الحمراء"، و"يا أمّتي". كما كتب مسرحيّتَين عنوانهما: "العاصفة" و"المجنون". وتحت عنوان "صباح الخير" كان يوقّع زاويته في صحيفة "النهار"، باسم "تمّوز".

تنشر "نداء الوطن" مقدّمة الكتاب التي وضعها الشاعر هنري زغيب، تحت عنوان "لَيلَكيّةً تُطِلُّ على درب القمر".

لم تَبلُغْهُ صباحَةُ الأربعين. صرَعَهُ الخنزير البرّي قبل أَن يبْلُغَها. نَزَلَتْ من دمه نقطةٌ على الأرض، سكبَتْ عليها دمعةً عشتار، نبتَتْ مكانها شقائقُ حُمْرٌ تَسَنْبَلَتْ بَيدرًا، وكان ربيع. وفي اليوم الثالث كان عرسٌ في قانا الأدب.


نهضَ تموز من سنبلةٍ حمراء، مَشَحَ نقطةَ الحبر قطرةَ دمٍ تُطْلع الكلمات سوطًا آنَ الغضب، وحنانًا أَواناتِ الحب. غريبٌ كيف استطاع أن يجمع في قلمه الواحد كفَّ السوط الهادر ولمسة الرقَّة الذائبة. غريبٌ كيف جمع فيه تموز (إله الغضب) وأَدون (إله الحب والجمال)، وظلَّ واحدًا في تموزيَّته وأَدونيَّته: السيّد المعلّم.


كأنما جاء وقتٌ كان لا بُدَّ فيه من فؤاد سليمان. عند كلّ منعطف من تاريخ، يكون لا بُدَّ من صَوت. فؤاد سليمان كانَهُ. لا في صدى النبرة بل في ينبوعها. سوى أنه لم يأْتِ من الـ "لا" خاويًا من "نَعَم".


أَطلَّ على الناس في محبة القويِّ الواثق من حصاده يوزِّعه قمحًا وصَلاحًا في مواسم الجنى: "ليتَه كان لي أَن أَملأَ صباحات الناس بالخير، فلا يَطْلع عليهم صوتي إلّا في مواسم الورود والأطياب.


(...) ويكون لبنان على هُدب قلَمه تاجًا رصَّعه الشغَف بهذا الوطن الذي شاءَه الشاعرُ أَرض الشعر ومغنى الشعراء، فكينونتُهُ وطنٌ من جمال، ورسالتُه برجُ حضارةٍ على قمّته منارةٌ تهدي وتوزّع الشَّعَّ الخصيب على أَمواج البشر: "كلُّ ما عندنا شِعر. في أغانينا الشعبية شِعر. في أناشيد أنبيائنا شِعر. في ملاحم أَبطالنا شِعر. في دُروبنا شِعر. في عناقيد دوالينا شِعر. بلادٌ كلُّها شِعر. أُسطورةٌ ملفوفةٌ بالشِعر".


أيُّ اعتزازٍ بالشعر، بالنثر، بالكلمة، بهذه السماءَة التي تُمطر غيماتُها لونًا على القلوب وأَرجًا على النفوس، فيخضَرُّ الأدبُ حقولًا من ربيعٍ دائمٍ لا يُطْلِعُ في بساتينه وحدائقه سوى أَغمارِ الأغنيات الطالعة من فَوَحَان النُّور على قمم لبنان، من شمس لبنان المشرقة على الشرق جَديدًا لفَحَ الشرقَ كُتَّابَه وشُعراءَه بنَغْوَة الأدب من لبنان: "في تُراث لبنان الفكريّ مَظاهرُ شتى تدُلّ على تأَصُّل قيَم الخير فيها وعطائِه الكريم. وليست صِدْفةً أنّ روما العظيمة اختارت بيروت ملجأً تؤدّي إليه المعرفة، وأنّ الذهن البشريّ انفتح على نُور الحرف يَحمله بحّارة من بلادي إلى عتمات الأرض".


ومتى هكذا كان الأدبُ، شعرُه والنثْر، كان أدبَ الحياة الذي وَسَمَهُ فؤاد سليمان بأَعصابه كأنْ بأَعصابه يكتب لا بالقلم، ومن قلبه يَسْتلّ الحروف لا من اللغة.


هكذا أَطلّ على الأدب اللبناني ابنًا حبيبًا لمَعمَدانيّه الأول: جبران. وهو لم يتوانَ عن انحناءةٍ بنويةٍ أمام سَكْب الماء من أُردُنّ "النبي": "جبران أعظمُ من أديب. إنه ثورةٌ فكريةٌ هزَّت أعماق الأمّة الهاجعة المقهورة، وأَوقفتْها في وجه الحياة الحُرّة. جبران يقظةُ شعبٍ ضعيفٍ ذليلٍ مستسلمٍ في شُعرائه وأدبائه وحُكّامه ورُؤَساء أَديانه وأَفكاره وتقاليده، فجاء جبران سوطًا أَلْهَب خنافس الأدب العقيم الرَّجعيّ وتركَهُم عُراةً يَستُرون عُريَهم بورقة تين. في جبران سمعت الأمّة صوتَها، وباحت بأَسرار أَشواقها، ووجدَت هيبتَها وعزْمَها وثورتَها وجمالَها، وما فيها من جلالٍ وجمالٍ وإِحساسٍ وخيالٍ وإِشراقٍ وأَفراحٍ وآلامٍ وثوراتٍ وغنىً ومحبةٍ وإِخلاص. هذا هو جبران الذي جعل لبنان في الأرض قمَّة. كَتبَ الدّم الغَضوبَ في الحروف، فكانت الحروفُ عواصفَ نارٍ وقبلَه كانت الحروفُ عبيدًا سوداءَ تتمرّغ في التراب... لن نرضى أن يكون في لبنان أعظمُ من جبران خليل جبران".

أدبُ الحياة إذًا هو أدب فؤاد سليمان. أدبُ الكلمة التي تخرج من حروفها إلى وَسَاعة المدى فيصبح المدى فضاءً لا إلى حدود، يُشبه الوساعة الْبَلَغها فؤاد سليمان، شعرًا ونثرًا، يملأُها زنبقًا مرةً، وعِصِيًّا مرةً، فلا يلوي على لومٍ ولا يتوقّف دون ارتداع. معه، لم يعد الأدب رسالةً، ولا حِرفةً، ولا مهنةً، ولا نهجَ حياة. معه صار الأدبُ هُويّةَ الحقيقة، متى بلغها الأَديبُ لا يعود معها تَساهُلٌ أيًا يكن المخاطَب. الحقيقة أقوى من المخاطَبات والمخاطِبين. وأَدبُ الحياة لا مكانَ فيه سوى للجديرين بنُطْفة الحياة في نُسْغ أقلامهم، وإلّا فهي مُحنَّطةٌ لفظيّةٌ برّانيَّةٌ رخاميَّةٌ خَزَفيَّةٌ باردةٌ كصقيع تمثال: "أيها الشُّعراء الذين تنْظُمون الشعر في بلادي: عيبٌ عليكم تَقتُلون الليالي سهَرًا لتُطلعوا كلماتٍ من حروفٍ وحروفًا في كلمات، وليس في قلوبكم إيمانٌ بما تُسمّونه "بلادي". لن تكون بلادُكم عظيمةً في المقاطع والحروف والكلمات. إن لم تكن الكلماتُ نارًا كانت شتيمة، وإن لم تكن إيمانًا عميقًا كانت تجديفة مُرَّة".


إلى هذا الشعر دعا. إلى هذا النثْر نادى. بقلمه سَنَّ هُويَّته، وبقلمه خرَج إلى الساح فلا حرَج عنده أن يُخرج من فردوس الأَدب طارئين مُقَنَّعين بأَلقابٍ ومُحَصَّنين بشهاداتٍ أو متجلْببين بخِدَع تسمياتٍ لا تكرِّس أُدباء، كما في هذه الصفعة على ادّعاء واحدٍ من "الدكاتير" كان في عصره نافذًا ذا أُبَّهة تُخشى مقاربتُها: "عُذري، إِن تجرَّأْتُ على دكتورٍ في الفلسفة وأنا من خرّيجي مدرسة "تحت السنديانة"، أَنني يا دكتور أُؤْمنُ بأنّ الإنسان لا يخْلُدُ بحفلةِ تكريمٍ ولا بوسامٍ ولا بلَقَب دكتور".


(...) كلُّ هذا، ولم يقطف ثماره في سلَّة جناه. حُلْمُ الأَديب، كلّ أَديب، أَن يرى مؤلّفاته مجموعةً أَمامه في الحلَّة الأبهى، تَسعَد بها عيناه قبل أَن يُغمض صوبَ الغروب عينيه.


ذاتَ عشيّةٍ كانونية، حَدَّ مدفأة الشتاء في بحرصاف، قدَّم لي توفيق يوسف عوّاد مجلَّدًا كبيرًا أَرفَقَهُ بتَنهيدةٍ سارَرَها لي: "الآن أَموتُ بسلام. هي ذي كتُبي كلُّها في هذا المجلَّد. صَحَّحْتُه كلمةً كلمة، فخرَج من دون هِنات". وارتاحَ قُبالتي إلى مقعده في انقشاعةِ مَنْ كافأَتْه الحياةُ بعُمر خصيب. فؤاد سليمان لم يحظَ بهذه النعمة، ولا حتى بمؤلَّفٍ مطبوعٍ واحد. تركَ كتاباتِه مقالاتٍ مقالات، منثورةً في صحُف ومجلات. وتركَ أوراقًا ومخطوطاتٍ ومكاتيبَ ومذكّرات. تركَها وراح.


جسمُه النحيلُ الضئيلُ لم يحتملْ عاصفةَ القلب الهائج بالحقيقة. ناءَ فانكسَرت على النُّحولة العاصفةُ الغَضوب، وترك الأوراق نِثارًا في كلّ هنا وهناك. غير أَن الريح لم تذهَب بها. كانت جوزفين، الحبيبةُ جوزفين، الوفيَّةُ جوزفين، حانيةً عليها جميعًا، لَمْلَمَتْها ورَقةً ورَقة، قُصاصةً قُصاصة. ما لم تستطع حِفْظه منشورًا حيثُ هوَ، نَسَخَتْه بخطِّها من جريدةٍ أو مجلة، وحفظَتْه وحفظَتْها وحفظَتْ إرث حبيبٍ كتبَ لها في رسالةٍ قُبَيل الزواج: "... ستُصبحين لرجلٍ لا أَنتِ لغَيره من الرِّجال ولا هو لغَيركِ من النِّساء" (1939/11/24). وحين اكتمَلَ جمع السنابل عن البيادر بعد غيابه الوجيع، حملَتْها أَغمارًا تَلَقَّفَها وليد، أَوسَطُ البنين، فتعهَّدها ميراثًا فاح به على الناس كما عرَفَ من أُمّه عن أَبيه كيف كان أَدبُهُ يزهر بين الناس.


(...) مَن بَشَّر بالخير في كلّ حَرف، صَرَعَهُ خنزيرُ الشَّرّ قَبل الحرف الأخير. أَصابتْه نارُ "سدوم" التي كم أَحرَقَها بسوطه الذي من كبريت حارق.


يوم ماتَ صديقُه الياس أَبو شبكة - وكم كان معْجبًا بالحياة النابضة في أَدب أبو شبكة - كتَب تموز: "غدًا تَطلَع الزنابق البريّةُ في الحقْل، ولا تجدُ على التلَّةِ الحلوةِ وجْه شاعرها. راحَ قبل أَن تَطْلَعَ الزنابقُ على الصخور، وقبل أَن يَطْلَع بَخُور مريم في حنيات الصخور. جبْهةُ الشعر عندنا مكسورة. وأَنتِ، أّيتها الشقائقُ الحمراءُ في "الزُّوق": يوم تَطلعين مع الصَّحْوَة، إِطْلعي على قبر الشّاعر الذي ماتَ قبل أَن تَطْلعي". يومها لم يكن يَعرف أَنه، هو أيضًا، سيَجيءُ يومٌ تَطْلع فيه الشقائق الحمراء في "فيع"، ولا تَجِدُ الشاعرَ الذي غنّاها وغنّى بها حبّه، فتَبقى يتيمةً صحوةُ الفجر على درب القمر.


صحيحٌ أَنها ستبقى يتيمة؟ هل... يموت الشاعر حين يموت؟

أَيها الشاعرُ العاشق، أَيها الـ "تموز" الباشق، لا يموت الشِعر، لأنّ الشاعر لا يموت. وهكذا أَنت: باقيةٌ قناديلُكَ الحمراءُ شاعلةً في تموزيات أَدبنا حتى يتكرَّر، كلَّ يوم، فجرُ اليوم الثالث. باقيةٌ في ذاكرتنا وفي ذاكرة لبنان الذي أَحببْتَ حتى الوَلَه. وباقيةٌ هناك، ليلةٌ لم تَتَبَرعَمْ بعدُ، لَيلَكيةٌ حَنون، واعدةٌ بالتي ستُطِلّ، تَفتَح شبّاكها الغربي وتُطِلّ، تُلَوِّح لكَ من فَوق، فترتعشُ في قلبِكَ نَبضةُ الحب، وتَنفتحُ لِحبِّك الكبير حَنْواتُ درب القمر.