غيوم بيرييه

أردوغان يُفلِت "ذئابه" على فرنسا

10 تشرين الثاني 2020

المصدر: L'EXPRESS

02 : 01

تُعرِّف "بركة سيتي" نفسها على موقعها الإلكتروني كـ"جمعية إسلامية في خدمة الإنسانية". لكن اتُّهِمت هذه الجمعية بالحفاظ على علاقاتها مع "الحركة الإسلامية الراديكالية"، فأصدر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان قراراً بحلّها في 28 تشرين الأول. نتيجةً لذلك، سارع مؤسس الجمعية إدريس سي حميدي، وهو سلفي متشدد يُشتبَه بتواصله مع الإرهابيين، إلى طلب لجوء سياسي في تركيا. في ظل احتدام المنافسة بين الرئيس رجب طيب أردوغان وإيمانويل ماكرون، أدى حل تلك المنظمة غير الحكومية التي تروّج لها وسائل الإعلام التركية الموالية للنظام إلى إعادة تأجيج أصداء الخطابات المشتعلة التي يلقيها الرئيس التركي ضد خصمه الفرنسي المُتّهم بالـ"إسلاموفوبيا" و"الفاشية". كذلك، يُسلّط هذا الحدث الضوء على نفوذ تركيا المتنامي وروابطها الدينية وعلاقاتها مع الجمعيات في فرنسا. لكن هل يصل هذا النفوذ إلى حد تهديد النظام العام؟ هذا السؤال ليس مبالغاً فيه. كانت المسيرات المقلقة التي قادها الناشطون الإسلاميون والأتراك القوميون في عدد من المدن الفرنسية في الأيام الأخيرة كفيلة بتأجيج المخاوف من وصول العنف السياسي التركي إلى الأراضي الفرنسية.





في 18 شباط الماضي، اختار إيمانويل ماكرون إلقاء أول خطاب له حول ظاهرة "الانفصالية الإسلامية" في مدينة "ميلوز" الفرنسية (في إقليم "أوت رين"). تشمل هذه المدينة من منطقة الألزاس مجتمعاً تركياً واسعاً يجذب أنظار "وطنه الأم" وقطر التي موّلت بناء مسجد ضخم يُعرَف باسم "مركز النور". كذلك، فتحت المنظمة التركية "ميلي غوروس" (الرؤية الوطنية) هناك مدرسة "ابن سينا" الخاصة في شهر أيلول، علماً أن هذه المنظمة تمثّل التيار التاريخي للإسلام السياسي التركي الذي يشتق منه "حزب العدالة والتنمية" بقيادة أردوغان. وفي أوروبا الغربية، تسيطر "ميلي غوروس" على 500 مسجد تقريباً، لا سيما في ألمانيا، وحتى في فرنسا (71 مسجداً)، بما في ذلك مسجد "أيوب سلطان" في "ستراسبورغ" (منطقة الراين السفلي). في الوقت نفسه، يتم التخطيط لمشاريع في "غريني" ("إيسون") و"كريل" ("واز").

تتبنى هذه المنظمة الإسلامية أجندة تتماشى مع توجّه الرئيس التركي، وهي على تواصل مع الأخوَين رمضان ومقرّبة من "الإخوان المسلمين" وتتعاون مع "الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية". من خلال هذه المنظمة وحدها، يرأس الفرع الفرنسي من الإدارة التركية القوية للديانة الإسلامية أكثر من 250 مسجداً في فرنسا.

في السنوات الأخيرة، لم يكف الإسلام التركي عن ترسيخ نفسه في صلب "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية". كانت هذه الهيئة الوطنية تخضع بين 2017 و2019 لإدارة التركي أحمد أوغراس المقرّب من أردوغان والمنتسب إلى "حزب العدالة والتنمية"، وهو عضو سابق أيضاً في منظمة "ميلي غوروس". كذلك، شارك هذا الأخير في تأسيس "اتحاد الديموقراطيين الأتراك الأوروبيين"، وهو امتداد لـ"حزب العدالة والتنمية" وسط الشتات في أوروبا. قبل تكليفه بالمسائل الدينية، كان ينظّم تجمعات ضد قانون الإبادة الأرمنية بين 2011 و2012.





عمدت تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان إلى السيطرة على الشتات التركي (حوالى 500 ألف تركي أو أتراك فرنكوفونيين في فرنسا) لأسباب انتخابية في المقام الأول. منذ العام 2007، يحق للأتراك المغتربين أن يصوّتوا في الانتخابات الوطنية وتُعتبر أصواتهم مؤثرة. يقول برنار غودار، موظف سابق في مكتب شؤون الديانات في وزارة الداخلية الفرنسية وكاتب La question musulmane en France (مسألة المسلمين في فرنسا) (دار نشر "فايار"، 2015): "يستعمل الأتراك جميع أوراق الضغط المتاحة لتحقيق أهدافهم الديبلوماسية والسياسية. لقد ترسّخت هذه النزعة بكل وضوح في عهد أردوغان. أصبح "الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية" أداة قوية جداً بيد أنقرة". هذا الاتحاد هو الذي يدفع رواتب الأئمة: إنهم موظفون ترسلهم تركيا إلى جماعاتها في الخارج. تشمل فرنسا حوالى 150 إماماً تركياً، ما يساوي نصف قادة الصلاة الأجانب على أراضيها، وقد شهد هذا العدد ارتفاعاً مستمراً في آخر 15 سنة.





حتى الآن، أكد إيمانويل ماكرون على رغبته في وضع حد لنظام إرسال الأئمة من بلدان المنشأ تدريجاً، فأعلن في خطاب "ميلوز": "سيكون التخلص من ظاهرة "الإسلام القنصلي" بالغ الأهمية لإضعاف ذلك النفوذ الخارجي والتأكد من التزام الجميع بقوانين الجمهورية الفرنسية". سبق وأُلغي جهاز "تعليم اللغات والثقافات الأصلية" الذي شمل تسعة بلدان، منها تركيا، خلال هذا الخريف. كذلك، اتُّهِم عدد من أساتذة اللغة التركية المُرسَلين من أنقرة بنشر الدعاية السياسية والدينية الخاصة ببلدهم.

بعيداً عن المساجد، زادت النشاطات الموالية للأتراك على المستوى السياسي أيضاً. شاركت وسائل الإعلام الرسمية المرتبطة بأنقرة (مثل وكالة "الأناضول" وقناة "تي آر تي" الحكومية) في هذه الجهود عبر استعمال نسخها الفرنكوفونية لاستهداف الإسلاميين والناشطين الرقميين الأكثر تشدداً. حصل ذلك فيما يعمد الناشطون الموالون لأردوغان إلى ملء شوارع المدن الفرنسية بلا تردد. حتى أنهم نظّموا في الأيام الأخيرة تظاهرة صاخبة في "ديجون" ("كوت دور") و"فيين" ("إيسار") و"ديسين" ("رون") وفي ضواحي "ليون"، معقل جماعة أرمنية كبيرة. هتف حوالى 250 متظاهراً مؤيداً لأردوغان وهم يجولون المدينة في 29 تشرين الأول: "هنا تركيا! أين الأرمن"؟ في 24 تموز، شهدت مدينة "ديسين" تظاهرة حاشدة من تنظيم أتراك مقربين من منظمة "الذئاب الرمادية" المرتبطة بـ"حزب الحركة القومية" المتطرف والمتحالف مع أردوغان، وقد أعلن جيرالد دارمانان حلّها أيضاً اعتباراً من 4 تشرين الثاني.



أحمد شيتين



حملت مجموعة المتظاهرين عدداً من العصي والسكاكين وأطلقت مسيرة انتقامية لافتة بقيادة شاب ضخم اسمه أحمد شيتين عمره 23 عاماً ويشبه أعضاء العصابات. في أحد الفيديوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلن شيتين: "إذا أعطتني الحكومة التركية ألفَي يورو وأسلحة، سأفعل بفرنسا ما تستحقه". هذا الكلام استدعى مثوله أمام القضاء بتهمة "التحريض على الكراهية". أصبح الحُكْم بحقه قيد التشاور في بداية تشرين الثاني.

اليوم أصبح أحمد شيتين، التركي الفرنسي، من أهم جسور التواصل بين شبكات التحركات الموالية لأردوغان في فرنسا. وعلى غرار عدد كبير من الناشطين الآخرين، هو ينحدر في الأصل من "مجلس العدل والمساواة والسلام" الذي تأسس خلال التسعينات في مدينة "بلفور" على يد إسلاميين وأتراك قوميين بدعمٍ من الوزير الفرنسي السابق جان بيار شوفينمان للإشراف على الجماعات التركية في الأحياء الشعبية. تقع هذه المنظمة غير الحكومية في "ستراسبورغ" ويمكنها أن تتفاخر لأن الأمم المتحدة أو مجلس أوروبا يعترفان بها ويستشيرانها. لكنّ أجندتها تتماشى مع أنقرة. هي تنشغل مثلاً بالطعن بـ"الإبادة الجماعية المزعومة بحق الأرمن" وتعارض تعليم هذا الحدث في حصص التاريخ ولا تتردد في الضغط على الأساتذة.

كذلك، تدعم هذه المنظمة مكافحة "إرهاب" الحكومة التركية وتستنكر الإسلاموفوبيا في فرنسا. يرتبط "مجلس العدل والمساواة والسلام" مالياً بـ"حزب العدالة والتنمية" ويديره منذ البداية علي جيديك أوغلو المُدان بتهمة "التحريض على الكراهية" في العام 2018 بعدما وصف شخصيات معارِضة للرئيس بـ"الطفيليات". برأيه، سيكون رجب طيب أردوغان "مانديلا القرن الواحد والعشرين". عُيّن ابنه حمزة جيديك أوغلو مستشاراً للرئيس في الصيف الماضي. كان أعضاء "مجلس العدل والمساواة والسلام" مسؤولين أيضاً عن إنشاء "حزب المساواة والعدالة" الذي أسسته تركيا بدورها لإطلاق حملتها على الأراضي الأوروبية. لا يزال نجاح هذه المساعي محدوداً جداً... لكن إلى متى؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.