الجدل الدائر في البلاد حول سلاح "حزب الله" ومسألة تسليمه إلى الدولة، كما الجولات المكوكية للمبعوث الأميركي توم برّاك، والأخذ والرد بين الرئاسة والحكومة من جهة وبين رئيس مجلس النواب و"حزب الله" من جهة أخرى... كلّها تذكرني بقصة تلك الطائرة التي تحطمت في إحدى جزر المحيط الهادئ.
تقول القصة إنّ طائرة تحمل سياحاً هبطت بشكل اضطراريّ وتحطمت في جزيرة نائية وسط المحيط، فنجا منها عدد ليس بقليل من الركاب. كان في تلك الجزيرة قبيلة متوحّشة، Cannibal، من أَكَلَة لحوم البشر، تعشق الفحشاء، وإتيان الرجال والغلمان إلى جانب النساء (والعياذ بالله).
ألقى أفراد تلك القبيلة القبض على السياح الناجين، ووضعوهم بزنازين قصب تحت أشعة الشمس الرمضاء الحارقة لأيام، من دون أكل وشراب. ثم بعد ذلك تجمهر أفراد القبيلة في ساحة كبيرة، وأتى كبيرهم فترأس مجلس الأعيان. ثم بعد ممارسة طقوس خاصة بتلك القبيلة عرضوا على مجموعة السياح خيارين بعد أن أخرجوهم من الزنازين لاستمزاج رأيهم في ما يقولون.
تقدم فرد كان يقف على يمين الزعيم، وقال للسياح: "كوتو موتو"... أو تموتوا؟
ذُهل السياح المساكين من هول المشهد، قالوا في سرّهم إنّها اللحظة الحاسمة. هؤلاء المجرمون سوف يقتلوننا الآن ويأكلوننا مشويين بلظى النار التي سُعّرت وسط المجلس. تحلّق الركاب حول بعضهم، وبدأوا بالتشاور، قال أحدهم: موتوا مفهومة.. فلماذا لا نجرب "كوتو موتو"؟
استقرّ الرأي على "كوتو موتو" باعتبار أنّ خيار الموت ما زال باكراً... على أمل إيجاد فرصة للهرب أو النجاة على يد فرق الإنقاذ التي قد تبدأ بعمليات البحث عن الناجين أو أقله عن "الصندوق الأسود".
"كوتو موتو" كانت الترجمة الحرفية لممارسة الفحشاء، حيث تداعى أفراد القبيلة على الركاب واحدًا تلو الآخر... إلى أن انتهوا منهم وردوهم إلى الزنازين!
في اليوم التالي تكرّر الطلب، واختار الركاب "كوتو موتو" مرغمين على قاعدة "أمرّ الشريّن"... فتوالت الأيام والأسابيع على هذه الحال.
ضاق ذرع الركاب وفقدوا الأمل كلياً بأيّ فرصة للنجاة، فقرروا الموت. قالوا لأنفسهم إنها اللحظة الأخيرة. سوف نطلب الموت ولا المذلة بعد اليوم.
اجتمع أفراد القبيلة وردّدوا على مسامع الركاب المساكين الجملة نفسها: "كوتو موتو"... أو تموتوا؟... صرخ الركاب أجمعين صرخة رجل واحد: موتوا... موتوا.
فوقف زعيم القبيلة، الذي يزين رأسه بعظمة بشرية، وردّ بأعلى صوته قائلاً: "كوتو موتو"... حتى تموتوا.
قصتنا مع "حزب الله" وسلاحه تُشبه قصة الركاب الرهائن. فنحن رهائن سلاح "الحزب" الذي يصّر على "كوتو موتو" حتى لو كان ذلك على حساب سلامة بيئته وسلامتنا، وعلى حساب ممتلكات بيئته وممتلكاتنا وأرزاقنا أجمعين، بل حتى على حساب حياتنا ووجودنا.
أمّا الخوف. كل الخوف أنّ يستمر "الحزب" بخيار "كوتو موتو" هرباً من الموت... فيأتينا الجواب على التهرب و"اللولفكة" والتسويف من زعيم قبيلة إسرائيل المتوحشة: "كوتو موتو... حتى تموتوا".