نبيل يوسف

في الذكرى الـ 33 لرحيل الرئيس فرنجية: مواقف وشهادات للتاريخ

9 دقائق للقراءة

تحلّ الذكرى 33 لرحيل الرئيس سليمان فرنجية، الذي تسلّم كرة النار سنة 1970 ورغم كل ما تعرض له، لم يترك موقع الرئاسة حتى آخر يوم من عهده. لم يأخذ الرئيس فرنجية حقه، وهو الذي كانت له مواقف تاريخية ستبقى تذكر، ومن بينها هذه الأحداث غير المعروفة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.



معالجة حادثة الفياضية

في شباط 1978 وقعت اشتباكات بين الجيشين اللبناني والسوري أمام ثكنة الفياضية وعبثًا حاولت الوحدات السورية اقتحام الثكنة من دون جدوى، لا بل أصيبت بخسائر فادحة.


لم يتجرأ مسؤول لبناني على التواصل مع السوريين خوفًا من ردات الفعل، لكن وصلت بعد أيام للمقدم (اللواء) سامي الخطيب الذي كان يقود "قوات الردع العربية" إشارات من دمشق بضرورة زيارة مبعوث لبناني إلى دمشق لمعالجة الوضع. وبناء لنصيحة الشيخ قبلان عيسى الخوري، طلب الرئيس الياس سركيس من الرئيس فرنجية زيارة دمشق موفدًا من قبله مع كامل الصلاحيات.


قبل أن يترك فرنجية قصر بعبدا، حذّره سركيس من أنه سيلاقي صعوبات في مهمته، فالجيش السوري أصيب بنكسة كبيرة. رفض فرنجية زيارة دمشق قبل تحديد موعد مع حافظ الأسد، فهو لا يلتقي في سوريا إلا رئيس الجمهورية.


يقول الأمير فاروق أبي اللمع وكان وقتها مديرًا للأمن العام ورافق فرنجية في زيارته: بعد تحديد الموعد انطلق الوفد إلى دمشق وكان يرافق الرئيس فرنجية وزير الخارجية فؤاد بطرس والمقدم سامي الخطيب، ولا أخفي سرًّا أننا كنا خائفين من لحظة اللقاء مع القيادة السورية، لكننا لم نفاتح فرنجية بمخاوفنا.


وما زاد من حيرتنا أنه طوال الطريق كان فرنجية مرتاحًا. كان يتحدث عن الطقس العاصف، مستذكرًا ما كانت تعانيه إهدن وجوارها زمن العواصف. وصل الوفد إلى دمشق والتقى فورًا حافظ الأسد: كان اللقاء بين الرئيسين حارًّا وسرعان ما بدأ الحديث عن سبب الزيارة.


كان الوفد اللبناني يتوقع أن يبدأ الرئيس فرنجية حديثه بالتخفيف من وقع ما جرى، لكنه عكس ذلك، كان صلبًا في حديثه. جلس قبالة الأسد رافعًا رأسه متحدثًا بلهجة قوية: "سيادة الرئيس الجميع متورطون بما حصل والكل أخطأوا ونحن هنا لمعالجة الأخطاء والتي يتحمل مسؤوليتها الجميع. كرامة الجيش السوري من كرامتنا وكرامة الجيش اللبناني غالية أيضًا علينا وعليكم، وهذا الجيش هو أمل بلدنا. المسيحيون يدعمون الجيش اللبناني ظالمًا كان أم مظلومًا، فهل تستطيع سوريا تحمّل انتفاضة مسيحية شاملة على امتداد الأراضي اللبنانية دعمًا للجيش اللبناني؟ ألا تنهي هذه الانتفاضة المبادرة السورية في لبنان المدعومة من الجبهة اللبنانية؟".


صعق كلامه الجميع وفاجأ المسؤولين السوريين، لكن يبدو أنه فعل فعله، فسأل الأسد فرنجية عن الحل الذي يقترحه؟ انتهى الاجتماع وأصر فرنجية على العودة إلى بيروت على أن يتكفل الوفد المرافق بوضع تفاصيل الحل. وهكذا وُضعت أسس الحل بناء لاقتراحات فرنجية".


يختم أبي اللمع: "أجزم أن القيادة السورية أدركت وقتها أن بقاء "الجبهة اللبنانية" بهذه القوة سينهي دورها في لبنان. من هنا أقرأ تسارع الأحداث بعد هذا الاجتماع حين بدأ الانقسام المسيحي وكل بيت ينقسم على ذاته يخرب".



انتخاب بشير وأمين الجميل

يخبر المثلث الرحمات المطران بولس إميل سعاده أنه قبل 10 أيام من استشهاد الشيخ بشير، استدعاه البطريرك خريش إلى بكركي وكان وقتها خادمًا لرعية إهدن - زغرتا. خلال اللقاء أبلغه البطريرك أن الرئيس المنتخب يريد إنهاء ملف الشمال ومصالحة فرنجية ويرغب بأن يتم ذلك قبل تسلمه سلطاته الدستورية. أضاف خريش: تلقيت نصيحة من الشيخ قبلان عيسى الخوري ورئيس الرابطة المارونية شاكر أبو سليمان بركوب طائرة هليكوبتر برفقة الرئيس بشير الجميل تحط بنا في قصر إهدن والرئيس فرنجية لا يمكن إلا أن يقوم بالواجب حسب ما تقتضي الأصول لدى حضور بطريرك الموارنة ورئيس الجمهورية: أطلب منك معرفة أجواء الرئيس فرنجية.


عاد المونسنيور (المطران) سعاده إلى إهدن وزار فرنجية، لكنه لم يفاتحه بالموضوع: ما كانت الأجواء تسمح بذلك، إذ كان فرنجية متوترًا جدًا وخائفًا على البلد في ظل الاحتلال الاسرائيلي.


توجه سعاده بعد أيام إلى بكركي وأطلع البطريرك على أجواء فرنجية مقترحًا تأجيل الموضوع لبعض الوقت، علّ الأيام القادمة تحلحل الأوضاع. وهذا كان رأي المطران (البطريرك) نصر الله صفير المشارك في اللقاء.


ختم المطران سعاده: لم تمض أيام معدودة حتى اغتيل الرئيس المنتخب فتوقف كل شيء".


بعد اغتيال بشير الجميل، رشح "الكتائب" الشيخ أمين الجميل لرئاسة الجمهورية وقرر المكتب السياسي تشكيل لجنة للاتصال بجميع القيادات لتأمين أوسع تأييد وطني.


طلب الدكتور جورج سعاده تفويضه التواصل مع الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي، وعن طريق جورج ضو تحدد موعد لموفد من قبل سعاده مع فرنجية. خلال اللقاء كان الأخير مفجوعًا من أخبار مجزرة صبرا وشاتيلا. لكن يمكن تلخيص موقفه كالتالي:


يجب ألا يمر 23 أيلول من دون انتخاب رئيس جديد.


وحدة الجميع في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.


لا علاقة للشيخ أمين بما جرى في إهدن ولم يُسجّل عليه أي تعامل مع إسرائيل.


لن تتمكن الكتلة من المشاركة في جلسة الانتخاب، وسيكون لنا موقف داعم للعهد فور انتخابه.


قبل أن يغادر الوفد إهدن، طلب فرنجية إيصال رسالة للجبهة اللبنانية خصوصاً للرئيس كميل شمعون وللرهبنة اللبنانية بضرورة العمل فورًا على انسحاب "القوات اللبنانية" من الجبل، وتفويت الفرصة على إسرائيل التي تريد تهجير المسيحيين وضرب فكرة التعايش الدرزي – المسيحي. كان أول كلام صريح عن تهجير المسيحيين.



هدم المساكن الشعبية

باشرت الدولة بناء مساكن شعبية لذوي الدخل المحدود بين القبة ومجدليا على الحدود الفاصلة بين طرابلس وزغرتا، لكن اندلاع الحرب أوقف البناء وأصبحت المحلة خطوط تماس بين المقاتلين الزغرتاويين والفلسطينيين خلال حرب السنتين.


صيف 1982 ومع مباشرة الفلسطينيين انسحابهم من بيروت وصلت إلى فرنجية معلومات من مخابرات الجيش من أن بعض المسؤولين الفلسطينيين بدأوا يظهرون عند هذه المساكن، وهناك تخوّف من أن تصبح مخيمًا فلسطينيًا جديدًا لمن سيخرج من بيروت، وكان قرار الرئيس فرنجية فوريًّا. خلال ساعات قليلة، تم جمع الجرافات في منطقة زغرتا – الزاوية وبدأت أكبر وأسرع عملية جرف بحماية "المرده"، وأشرف روبير فرنجية مباشرة على العمل. لم يمض وقت حتى كانت المساكن سويت بالأرض، ولما لم يظهر أي اعتراض طرابلسي تأكد للرئيس فرنجية أن الإنفلاش الفلسطيني ما عاد مقبولاً لدى أي طرف لبناني.



زيارة منزل آل ضو في البترون

لم يغادر فرنجية قصره في زغرتا أو أهدن بعد 13 حزيران 1978 إلا في زيارات خاطفة وسريعة، لكنه زار منزل آل ضو في البترون حلفاء آل فرنجية التاريخيين أكثر من مرة وعقد فيه عدة اجتماعات مع الرئيس أمين الجميل والسفير الأميركي، وكان يقول: لم نشأ أن نكبّد ضيوفنا مشقة الانتقال إلى زغرتا ولما كان لنا منزل في البترون أحببنا أن نلتقي بهم فيه.


صباح 15 كانون الثاني 1986 تواردت الأخبار عما يجري من معارك في المنطقة الشرقية بين وحدات "القوات اللبنانية" الموالية للدكتور سمير جعجع وتلك التابعة لرئيس جهاز الأمن إيلي حبيقة.


عند الظهر، بدأت تصل إلى ساحل البترون مجموعات سورية وأخرى تابعة لأحزاب حليفة لدمشق قادمة من الشمال تمركزت في تحوم وكفرعبيدا، عبدللي وتولا وكور وكفيفان، وراحت الأخبار تنتشر عن نية القوات السورية باقتحام ساحل جبيل وجرد البترون.


تواصلت بعض فاعليات منطقة البترون الساحلية مع جورج ضو القريب من الرئيس فرنجية ومع مسؤولي "المرده" في البترون، وكانت الأجوبة: كونوا حذرين الوضع دقيق جدًا، ولكن هناك اتصالات على أعلى المستويات لمنع أي عمل عسكري.


بعد الظهر، ازدادت الضغوط على "المرده" للتحرّك باتجاه ساحل البترون، فتقدمت مجموعات عسكرية وتوقفت عند جسر مستشفى البترون، فيما تمركزت مجموعات أخرى قرب جسر المدفون وفي عبرين.


عصراً، ازدادت الضغوط على "المرده"، وحصل أكثر من سوء تفاهم بين الضباط السوريين المصرّين على فتح المعركة، ومسؤولي "المرده" المصرّين على تلقي الأوامر من فرنجية.


مع مغيب الشمس وصل روبير فرنجية إلى منزل آل ضو وكان وجهه متجهّّمًا واختلى مع جورج ضو والعقيد سامي ريحانا قائد ثكنة الجيش اللبناني في المدينة الكشفية، وباشر سلسلة اتصالات.


قرابة الـ 6 مساءً تقدمت مجموعة عسكرية تابعة لـ"المرده" إلى جسر المدفون، وهناك قُتل قائد المجموعة سمير يمّين.



كيف قُتل وماذا حصل قبل مقتله؟

سرّ ما زال حتى اليوم غير معروف بشكل واضح، ولكن ما يمكن تأكيده أن أكثر من سجال حصل بين يمّين وبعض الضباط السوريين المصرّين على اقتحام المنطقة الشرقية، وكان رد يمّين أن من في مواجهتهم هم جنود الجيش اللبناني الذين يتبعون ثكنة المدينة الكشفية التي تدين بالولاء للرئيس فرنجية. أما عناصر "القوات اللبنانية" فهم عند حاجز البربارة على بعد يقارب الـ  5 كيلومترات، وطلب بعض الوقت من أجل التقدم سلميًّا إلى حاجز الجيش اللبناني ومن هناك فتح معركة مع "القوات".


تردد وقتها أن سمير يمّين قُتل بشظايا قذيفة سقطت عند جسر المدفون: كيف يُقتل يمّين وحده؟


يجزم عدد من المتابعين لتلك المرحلة أن السوريين قتلوه لأنه كان يرفض فتح الجبهة. في المحصّلة: سمير يمّين شهيد حَجَبَ الدم المسيحي واللبناني.


وسط البترون، شكّل السوريون غرفة عمليات في عبدللي، والهدف اقتحام صغار ومنها إلى عين كفاع والاطباق نزولاً إلى عمشيت للالتقاء بالوحدات المتقدمة من جسر المدفون.


حوالى الساعة 7 مساءً، بدأ تساقط القذائف المنطلقة من الكورة باتجاه ساحل جبيل، لكنها وقعت جميعها في ساحل البترون لا سيما في بلدة تحوم، حيث أصيب أكثر من 7 منازل، كما زرعت الحقول بعشرات القذائف التي أكد ضباط الجيش اللبناني أن مصدرها الشمال.


كما باشرت القوات السورية وحلفاؤها هجومها باتجاه صغار ومن محور آخر باتجاه زان، فلقيت مقاومة شرسة من الأهالي و"القوات" المتمركزة هناك، ما دفعها بعد ساعات لوقف الهجوم. وقد تفاجأ السوريون بالقوة النارية التي واجهتهم.


عند 9 ليلاً، وصل فجأة الرئيس فرنجية إلى منزل آل ضو في البترون. يتذكر المحامي حنا البيطار المتواجد تلك الليلة في منزل آل ضو أن الرئيس فرنجية كان متوتراً جداً، ولم يتكلم كثيراً، بل كان غالباً ما يدخل إلى مكتب جورج ضو لاجراء اتصال هاتفي، ويخرج منتظراً قدوم أحد ما فيختلي به. لم يتجرّأ أحد أن يحدّث الرئيس فرنجية، ولكن أحد الموجودين سأله: فخامة الرئيس الوضع خطير؟ ردّ فرنجية بعد أن تأمل السائل: "يا ابني لو ما الوضع خطير شايفني هلق بها الوقت هون؟". ومع الفجر عاد فرنجية إلى زغرتا، بعد تأكده من توقف الهجوم على الشرقية، وبدء انسحاب جميع المجموعات المسلحة.