في غرفة الأخبار، حيث تتسابق التصريحات الدولية يومياً عبر الشاشات، اعتاد الصحفيون التعامل مع تقاطعات الترجمة واختلاف السياقات. غير أن أربع عشرة سنة من العمل الإعلامي لم تمنعني، كما كثيرين من الزملاء، من الوقوف أمام لغز تصريحات المبعوث الأميركي.
توم برّاك، الموفد الأميركي إلى دولتين حافلتين بأزمات متعددة، لا يخفى أنه يشكل تحدياً في تفسير مواقفه وتصريحاته. فبين التوتر المستمر في الداخل السوري، وترنح لبنان على خيط رفيع بين تحقيق السلم أو تجدد الحرب الإسرائيلية، يُثير برّاك من خلال تصريحاته متناقضات يصعب حصرها ضمن سياسة أميركية موحدة.
تصريح ونفي.. إرباك متعمد؟
في كل مناسبة إعلامية، يطرح برّاك أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. يتخلل خطاباته تصريحات تبدو أحياناً دعمًا لبيروت، قبل أن يعيد نفيها أو يضعها في سياق آخر، وكأنّ الدبلوماسية الأميركية أصبحت تمارس سياسة "قل ما تشاء ثم تراجع".
حين وصف الرد اللبناني على الورقة الأميركية بـ"المرضي"، بدا أن واشنطن تُسجل نقطة إيجابية تخفف من احتمالات اندلاع حرب. لكن سرعان ما عاد برّاك ليؤكد من بيروت أيضا أن واشنطن "غير قادرة على ضبط إسرائيل"، في تلميح يحمل دلالات عميقة، على إمكانية تحرك عسكري إسرائيلي محتمل على لبنان.
بين السراي الحكومي وعين التينة.. مسرح السياسة
ينتقل الموفد الأميركي خلال ساعات بين السراي الحكومي ومقر رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة. ففي السراي، يتحدث عن إطلاق يد إسرائيل وكأن المواجهة وشيكة، بينما في عين التينة يتحدث بلغة أكثر تفاؤلاً عن "لقاء مميز" مع بري، مؤكدًا أن "الولايات المتحدة لن تتخلى عن لبنان". كلمات توحي بالأمل لكنها تخفي خلفها قلقاً واضحاً من المجهول المقبل.
وسط كل هذا الالتباس، يُطرح سؤال محوري: ما الذي تغير؟ هل مشكلتنا في فهم برّاك، أم أن تأثير نبيه بري على صديقه القديم هو ما يغير بوصلة الرجل؟ وهل هناك سحرٌ سياسيّ يمارسه رئيس المجلس، أم فهم واضح لما تريده واشنطن قلّ نظيره في صفوف القادة التقليديين في لبنان؟، أم أن إدارة برّاك تُعيد إنتاج السذاجة الأميركية المزمنة في مقاربة الشأن اللبناني؟
لبنان في عهد ترمب وبايدن.. تقاطعات وإعادة تموضع
منذ عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بدا واضحًا أن واشنطن تُعيد تموضعها في لبنان بناءً على مقاربات غير تقليدية. ففي زمن ممارسة "سياسة الضغط القصوى" التي تبناها ترمب على لبنان، أُرسل وزير الخارجية مايك بومبيو إلى لبنان، فأجرى لقاءات دبلوماسية مع الرؤساء الثلاثة، قبل أن يأخذ من دارة النائب ميشال معوّض مركزا للقاء بمشاركة اكثر من 53 شخصية سياسية وإعلامية بارزة، وليس في بيت الوسط أو حتى الأمانة العامة لقوى 14 آذار.
هوكستين مفتاح بايدن
ومع وصول الرئيس جو بايدن، دخلت شخصية آموس هوكستين إلى المشهد، حيث برز دوره في إدارة ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، بالتعاون مع نبيه بري. لكن تصاعد التوتر أعاد انسحابه، قبل أن يعود لاحقاً ليبرم اتفاقاً جديداً لوقف إطلاق النار أنهى الحرب الإسرائيلية لكنه لم يوقف اعتداءاتها على لبنان.
في ظل هذه الخلفية، جاءت فترة مورغان أورتاغوس التي اتسمت بمواقف حادة تجاه حزب الله، لكنها لم تستمر طويلاً، فغادرت منصبها ورحلت دون اي امتحان جدي لقدراتها الدبلوماسية.
غموض واشنطن.. من يقرأ اللعبة؟
برّاك: لغز التصريحات
وحاليًا، يُعهد إلى توم برّاك بمهمة التفاوض مع لبنان، وهو يحمل عبء الملفين السوري واللبناني، في وقت يبدو فيه الخطاب الأميركي غامضًا ومتناقضًا، مما يزيد من حالة الارتباك لدى المسؤولين اللبنانيين والجمهور المحلي.
أحد التصريحات اللافتة لبرّاك كانت عندما لمح إلى إمكانية "إلحاق لبنان بسوريا" في حال فشل النظام السياسي اللبناني، في إشارة مثيرة للجدل إلى أن لبنان قد يفقد هويته وسيادته في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية المستمرة. لكن سرعان ما تراجع عن هذا التصريح، مما يؤكد أن الخطاب الأميركي في لبنان يحكمه التردد والتغير المستمر.
لا ضمانات
مع كل هذا الغموض، يبقى السؤال: من يقدر على فهم نوايا السياسة الأميركية تجاه لبنان؟
يبدو أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يملك الإجابة ولو ظرفيا، وهو الذي يستقبل برّاك على وقع تصريحات يُفهم منها قرب عودة الحرب، ويُخرجه من عين التينة بتصريح يتحدث عن "الأمل"، لكن دون إعطاء ضمانات.