وقّع نحو ست وثمانين نائبًا لبنانيًا كتابًا موجّهًا إلى مجلس الأمن الدولي يطالبون فيه بتجديد ولاية قوات اليونيفيل وتعزيز صلاحياتها في الجنوب، معتبرين أن استمرار وجودها "ضرورة قانونية لحفظ الاستقرار". يأتي هذا التحرك في ظل تمديد مجلس الأمن الأخير لولاية القوة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجي ومنظّم تنتهي خلال عام واحد، بحيث يصبح الجيش اللبناني، بحسب النص الأممي، "الضامن الوحيد للأمن" في الجنوب.
هذه العريضة، على ما تحمله من نيّة حسنة ظاهريًا، تكشف حين تفحيصها الدقيق عن عجزين متراكبين: عجز اليونيفيل نفسها عن أداء المهمة التي أُنشئت من أجلها منذ نحو خمسين عاماً، وعجز النواب الموقّعين عن مواجهة السؤال الحقيقي الذي كان يجب أن تطرحه العريضة.
نصف قرن من الفشل الذريع
تأسست قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان عام 1978 لتنفيذ مهمة واضحة: التحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية، واستعادة السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. بعد نحو خمسين عاماً من الانتشار الميداني وموازنات ضخمة وعشرات آلاف الجنود من نحو خمسين دولة، ما زال جنوب لبنان مسرحاً لخرق دائم للسيادة، ولا يزال السلاح غير الشرعي حاضرًا على طول الشريط الحدودي، ولم تتمكن القوة الدولية يومًا من فرض حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ولا من منع تحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة متكررة.
هذا ليس إخفاقًا عابرًا بل فشل بنيوي في جوهر التفويض: قوة حفظ سلام محكومة بقواعد اشتباك خفيفة، بلا صلاحيات إنفاذ حقيقية، تكتفي بالمراقبة والتبليغ بينما يُعاد إنتاج الاختلال العسكري والسياسي نفسه جيلاً بعد جيل. من يطالب اليوم ببقاء هذه القوة على حالها، من دون أي تعديل جوهري في طبيعة تفويضها وصلاحياتها، إنما يطالب باستمرار الفشل ذاته لا بمعالجته.
الفشل المضاعف للنواب
الأخطر من فشل اليونيفيل هو عجز النواب الموقّعين عن مواجهة هذا الواقع بجرأة سياسية. فبدل أن تطالب العريضة بنقل انتشار القوة إلى كامل الأراضي اللبنانية، وبوضعها تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بما يمنحها صلاحيات إنفاذ حقيقية لدعم الجيش اللبناني ونزع سلاح جميع الميليشيات من دون استثناء، اكتفى النواب بمطالبة خجولة بـ"تجديد الولاية" و"تعزيز الصلاحيات" من دون تحديد واضح لأي صلاحيات وأي حدود.
هذا التردد ليس تفصيلاً تقنياً؛ فبين تفويض تحت الفصل السادس الحالي، القائم على المراقبة والتوصية، وتفويض تحت الفصل السابع القادر على الإلزام والإنفاذ، تكمن كل المسافة بين دولة تستعيد سيادتها وتراوح مكانها في العجز ذاته. من يوقّع على "الإبقاء على الوجود الدولي" من دون أن يطالب بتحويله إلى أداة إنفاذ حقيقية، إنما يطلب تمديد المسرحية لا إسدال الستار عليها.
أداة بيد نبيه بري و"حزب الله"
في غياب هذا المطلب الجوهري، تتحول العريضة عمليًّا إلى أداة بيد من يريدون تعطيل المسار التفاوضي الثلاثي واتفاق الإطار، وفي مقدمتهم نبيه بري وحزب الله، اللذان يستفيدان من إبقاء الوضع الحالي على حاله: وجود دولي شكلي لا يهدد نفوذهما، بلا صلاحيات إنفاذ تطالهما، بينما تستمر سيطرتهما الفعلية على مفاصل القرار في الدولة اللبنانية.
هكذا تصبح "المطالبة ببقاء اليونيفيل"، من دون شرط تفعيلها الحقيقي، استمرارًا لسياسات إدارة الأزمة اللبنانية بدل حلّها: الفساد المستشري لا يزال بلا محاسبة، أموال المودعين لا تزال مصادرة، والمسؤولون عن الانهيار الاقتصادي وتفجير مرفأ بيروت لا يزالون بمنأى عن أي مساءلة جدية.
دولة لا تستطيع بسط سلطتها
المعيار الحاسم لمصداقية أي حديث عن السيادة هو قدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها. دولة عاجزة حتى اليوم عن فرض سلطتها داخل أحياء المخيمات الفلسطينية في بيروت نفسها، لا يمكن أن تُصدَّق حين تتحدث عن ضبط الأمن في الجنوب أو عن نزع سلاح حزب الله. هذا العجز يضع لبنان الرسمي أمام توصيف لا مفرّ منه: دولة فاشلة، تستمد سلطتها من الدعم الخارجي أكثر مما تستمدها من إرادة سيادية داخلية، ومسؤولوها ليسوا سوى أدوات تتحرك وفق حسابات من يمولها ويحميها، والنواب أنفسهم في طليعة هؤلاء، لا سيما حين يدّعون أنهم يمثلون الشعب اللبناني عبر قانون انتخابي هجين لم يفرزهم تمثيلاً حقيقياً بقدر ما أعاد إنتاج المنظومة ذاتها.
الخلاصة
العريضة، كما صيغت، ليست خطوة سيادية بل التفافًا عليها. المطلوب ليس "الإبقاء على اليونيفيل" بصيغتها الحالية، بل تحويلها – أو تحويل أي بديل دولي عنها – إلى قوة تحت الفصل السابع، منتشرة على كامل الأراضي اللبنانية، مكلّفة صراحة بدعم الجيش اللبناني في احتكار السلاح الشرعي ونزع سلاح جميع الميليشيات من دون استثناء أو مواربة. أي مطلب أقل من ذلك لا يخدم لبنان، بل يخدم من يريدون له أن يبقى دولة عاجزة، رهينة توازناتهم الإقليمية والداخلية.
رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي