في قلب لندن، من نافذة في الطابق الخامس تطلّ على الأشجار والطيور والعمارة الفيكتوريّة، يجلس فنان بريطاني تجاوز عامه الخامس والتسعين، لكنّه لا يزال يرسم كل يوم، كما فعل لأكثر من ثمانية عقود. إنه ديفيد جنتلمان، أحد أبرز الفنانين والمصمّمين الغرافيكيّين في المملكة المتحدة، والذي شكّلت أعماله جزءًا من الذاكرة البصرية البريطانية المعاصرة.
رسم جنتلمان آلاف الرسومات ونفّذ مئات المشاريع التصميميّة، من طوابع البريد إلى الجداريّات، من أغلفة الكتب إلى الشعارات المؤسسيّة. هو من صمّم شعار شجرة البلوط الشهير لـ "التراث الوطني" (National Trust)، ومَن أبدع السلسلة الكلاسيكيّة لأغلفة كتب "دار بنغوين للنشر" التي أعادت نشر كتب شكسبير في السبعينات، ونفّذ اللوحة الجداريّة العملاقة التي تزيّن محطّة "تشارينغ كروس" في "مترو لندن" بطول 100 متر. كلّ هذا وهو لا يزال يرسم كأنها أوّل مرّة. وخلف هذا الإنتاج الغزير، فلسفة فنّية بسيطة عميقة، وقابلة للتطبيق من قِبل أيّ شخص، سواء كان فنانًا محترفًا أو هاويًا يرغب في أن يبدأ، هذا ما يؤكّده جنتلمان في مقابلاته وفي كتابٍ له صدر الشهر الماضي.
عُمر من الرسم
تخرّج جنتلمان من "الكلّية الملكيّة للفنون" في لندن عام 1953، ومنذ ذلك الحين لم يتوقّف عن الرّسم أو التّصميم. أول أعماله كان مجموعة من النقوش الخشبيّة لكتاب بعنوان "?What About Wine"، وبعدها توالت الأعمال، لكنه لم يُقحم نفسه في سباق السوق الفنّي، بل بقي مخلصًا لنهج شخصيّ وهو العمل بِحبّ، والتجريب الحرّ، والرغبة في النظر العميق إلى العالم مِن حوله.
عِشرة الورقة والقلم
في حديثه عن "عادة الرسم"، يقدّم ديفيد جنتلمان عشر نصائح ثمينة، لا تبدو موجّهة فقط للفنانين، بل لأيّ شخص يريد أن ينمّي حاسة الانتباه في عالم سريع الإيقاع. هذه النصائح ليست وصفة جاهزة، بل دعوة للتأمُّل البصريّ، وللاستمتاع بعمليّة الرسم أكثر من نتيجته:
1. إبدأ صغيرًا
يقول: "لا تحتاج إلى مشهد بانوراميّ لتبدأ. شجرة أو منظر من نافذتك، كافٍ. اختر قلم رصاص ناعمًا، وابدأ بخطوط خفيفة تلمّح لِما تراه. المهم أن تنظر بإمعان، لأن الرسم يُدرّبك على الانتباه.
2. أخرج إلى الشارع
جنتلمان يفضّل المشي والرسم: شوارع، رافعات، حركة مرور، وحتى ركوب الحافلة في الطابق العلويّ يمكن أن يكون مصدر إلهام. الهدف هو رؤية العالم من زوايا جديدة.
3. لا تحذف التفاصيل القبيحة
الجمال ليس في "تجميل" المشهد، بل في الصّدق البصريّ، لا مانع لديه في أن يظهر في رسوماته "فيات" قديمة مركونة أمام "كاتدرائيّة صقليّة". إنه يرى في ذلك تداخلاً بين تاريخَين، و "تعبيرًا عن عبقريّة إيطاليا القديمة والحديثة معًا".
4. الأخطاء جزء من الرحلة
في إحدى رسوماته السريعة لابنه وهو يعزف على البيانو، رسم ثلاث أقدام بدلًا من اثنتين. لكنّه لم يمحُ الخطأ؛ بل رآه دليلاً على الحركة، واحتفظ به.
5. لا تطارد الأسلوب
يقول: "لم أحاول أبدًا أن أطوّر أسلوبًا معيّنًا. الأسلوب يظهر من نفسه". كلّ خطأ، كلّ تجربة، تترك بصمة في أعمالك، لتكوّن أسلوبك الخاص مع الوقت.
6. أرسم من الحياة، لا من الصُّوَر
بالنسبة له، الرسم من اللحظة فيه عفويّة وتنوّع. المشهد يتغيّر، الناس يمرّون، والشمس تتحوّل. هذه التبدّلات تفرض عليك الرسم بسرعة، وتمنح أعمالك روحًا لا يمكن تكرارها.
7. عد إلى المشهد نفسه
بعد خمسين عامًا من النظر إلى الشارع نفسه من نافذته، لا يزال جنتلمان يجد فيه ما يدهشه. الغيوم، الطيور، الظلال، الأبنية التي تغيّرت، كلّ يوم هو مشهد جديد.
8. إفعل الأمور بطريقتك
حتى في الحفر على الخشب، وهو فنٌّ دقيق ومتطلّب، لم يعمل إلا عندما شعر بالحماس، اختار توقيته وأسلوبه، وهذا ما حافظ على شغفه حيًّا.
9. كن ناقدًا لطيفًا
النقد الذاتيّ مهمّ، لكنه لا ينبغي أن يكون قاسيًا، جنتلمان يرى أنّ المراجعة المستمرّة تقود إلى تحسين العمل، من دون أن تفسد متعة الرسم.
10. إفعلها فقط
ليس عليك أن "تصير فنّانًا"، فقط إبدأ، لا تنتظر الإلهام ولا التقييم، فقط استمتع بالمحاولة.
التأثير البصريّ والروحيّ
ما يميّز جنتلمان ليس فقط قدرته على الرسم، بل قدرته على الرؤية، هو لا يعبّر عن المشهد فحسب، بل يترجمه إلى إحساس. أعماله توصل "الانتباه"، وتنقل للمتلقّي إحساس الفنّان باللحظة: الضوء، الشكل، الحياة. كما أنّ تعدّد وسائطه، من الحبر إلى الألوان المائيّة إلى النقش على الخشب، يدلّ على فنان لا يبحث عن التصنيف، بل عن التعبير.
إرث فني حيّ
أعمال ديفيد جنتلمان لا تزال تُدرّس وتُعرض، وتُلهم أجيالًا من المصمّمين والرسّامين. لكنّه يظلّ، في عمقه، شخصًا بسيطًا يحمل دفتر رسم، ويجلس في مقهى، أو على مقعد في حافلة، ويرسم ما يراه. في زمن أصبحت فيه الصور الفوتوغرافية تلتقط كل شيء، يذكّرنا جنتلمان أنّ اليد والعين ما زالتا تملكان سحرًا لا يُضاهى.
الطابع البريدي كلوحة مصغّرة
من أبرز إنجازات جنتلمان وأكثرها تأثيرًا، تصميمه أكثر من 100 طابع بريدي لصالح "البريد الملكيّ البريطانيّ". لم يعامل الطابع كمجرّد قطعة بريدية، بل كوثيقة بصريّة تحمل رمزيّة وطنيّة، وتعبّر عن لحظة ثقافيّة أو سياسيّة. في مساحة لا تتعدى سنتيمتراتٍ مربّعة، اختصر جنتلمان تاريخًا، شخصية، أو حدثًا.
من أبرز الطوابع التي صمّمها، تلك التي احتفت بِوليَم شكسبير، بذكرى النّصر في الحرب العالمية الثانية، أو إنجازات علميّة بريطانيّة. طابعه المميز؟ البساطة المنظَّمة، والرمزيّة الذكيّة. وفي زمن كان فيه الطابع البريدي يدخل كل بيت، أصبحت تصاميمه جزءًا من الذاكرة الجماعيّة للبريطانيّين، ورمزًا لهويتهم البصريّة.
التصميم كوسيلة مقاومة
لم يكن جنتلمان يومًا فنانًا منعزلًا، بل فنانًا له موقف. في عام 2003، صمّم أحد أشهر ملصقات الاحتجاج في بريطانيا ضدّ غزو العراق. الملصق كان بسيطًا: طائرة عسكريّة تُسقط كلمة "NO" بدل القنابل. قوّة الصُّورة أتت من بساطتها وقدرتها على التعبير الواضح من دون صراخ. هذا التداخل بين الفن والموقف الأخلاقي يضع جنتلمان في مصاف الفنانين الذين يرون في التصميم الغرافيكي أداةً للمقاومة والتأثير، لا مجرّد زينة بصرية.
اللحظة العابرة
ما يميّز تجربة ديفيد جنتلمان هو قدرته على التقاط اللحظة العابرة، وتحويلها إلى شيء باقٍ. هو لا يسعى لتجميد الزمن بقدر ما يسعى لفهمه. في إحدى تجاربه، جلس في مقهى بمدينة بولونيا الإيطالية، قبالة الساحة، يرسم الناس وهم يمرّون. لم يكن هناك وقت للتفكير أو التصحيح، فقط سرعة وبديهيّة. هذه السرعة لم تكن عيبًا، بل كانت وسيلته للتماهي مع اللحظة. الرسم عنده ليس مجرّد تسجيل، بل مشاركة وجدانية مع ما يراه.
تتكرّر هذه الفلسفة في أعماله، رؤية الأشياء كما هي، من دون مثاليّة أو تزويق. يرى أنّ الحضور الحقيقي يأتي من المراقبة الدقيقة، من الوجود الكامل في اللحظة، حتى لو لم تكتمل الرسمة. فالرّسمة ليست هدفًا في ذاتها، بل أثر لتجربة إنسانية حقيقية، لحظة اتصال بين الإنسان والمكان.
إرث حيّ في عالم متغيّر
رغم بلوغه الخامسة والتسعين، لا يزال ديفيد جنتلمان يعمل يوميًّا. في مقابلة أُجريت معه في حزيران 2025، قال: "أشعر أنني أُضيّع وقتي إذا لم أرسم". اليوم، تُدرّس أعماله في كليّات التصميم، وتُعرض في المتاحف الكبرى مثل "Tate" و "British Museum"، ويُحتفى به كأحد أعمدة التصميم الغرافيكي البريطاني الحديث. لكن بالنسبة له، تبقى المتعة في اللحظة التي يلمس فيها القلم الورقة، في مشهد من نافذته أو وجه في حافلة.



