كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن قرب التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إحدى أطول الحروب التي تخوض غمارها الدولة العبرية، المتفلّتة من أي ضوابط أخلاقية أو إنسانية، ضدّ "حماس"، غير الآبهة بحياة الغزيين الجوعى في القطاع، الذي تحوّل "أثرًا بعد عين" بفعل آلة الحرب الإسرائيلية المدمّرة.
بيد أنّ "أسهم بورصة" التوصّل إلى الاتفاق الموعود ترتفع حينًا لتنخفض أحيانًا أخرى، إذ إنه في كلّ مرّة تقترب فيها "الولادة القيصرية" للاتفاق، يسارع الطرفان، خصوصًا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إلى "وضع العصي في دواليب" المفاوضات العسيرة، مستندًا إلى حسابات سياسية داخلية، وهو الذي اعتادت حكومته أن تقتات من ديمومة الحروب.
وإذا كان "بيبي" يصبو إلى القضاء بشكل كامل على "حماس"، كما كان توعّد في مستهلّ حربه على القطاع، فإنّ الحركة أو ما تبقّى منها، أثبتت له وللعالم أنها "رقم صعب وموجِع"، من خلال اعتمادها "حرب العصابات" في رمال غزة الساخنة، التي عادت لتحصد في الأيام الأخيرة مزيدًا من الضباط والجنود الإسرائيليين.
وفي ظلّ تعنّت إسرائيل من جهة، ومكابرة "حماس" من جهة أخرى، يتواصل السباق المحموم بين اتفاق غزة الموعود وإبادة التجويع الممنهجة في القطاع المحاصر، حيث يتوالى سقوط الغزيين المجوَّعين قبيل وصولهم إلى "مواقع الذل" أو ما يُعرف بنقاط توزيع المساعدات، فهم إمّا يُقتلون برصاص إسرائيلي حاقد عن سابق تصوّر وتصميم، وإمّا تخور قواهم الهزيلة أصلًا من جرّاء بطونهم الخاوية، وبذلك يسقطون قتلى بسبب حدّة الجوع، على مرأى من المجتمعَين العربي والغربي.
في الغضون، تفاوتت الأقلام العبرية بين انتقاد سياسة الحكومة التهجيرية لسكان القطاع، وبين الدعوة إلى المضيّ قدمًا في الحرب على غزة وصولًا إلى "النصر الكامل"، باعتبار أنها السبيل الوحيد لاستعادة كامل الأسرى من شباك "حماس".
محلّل الشؤون السياسية في "القناة 12" يارون أبراهام اعتبر أن هناك انقسامًا واضحًا على المستوى السياسي في شأن حرب غزة، فمن جهة هناك مَن يؤيّد نهجًا عسكريًا واسعًا يوفّر "صورة نصر" واضحة ويزيد الضغط على "حماس"، ومن جهة أخرى يصرّ رئيس الحكومة على استنفاد فرص التوصّل إلى صفقة مخطوفين، لكن بعض المصادر يقول إنه يجب البحث في هذا الخيار بجدّية والاستعداد لكلّ السيناريوات، بدلًا من البحث في حلول مصطنعة وغير عملية.
المحلّل في "يديعوت أحرونوت" آفي يسسخروف رأى أنّ القطاع تحوّل إلى أحد أكبر مواقع العقارات المدمّرة في العالم، كما تحوّل الجيش الإسرائيلي إلى مقاول التنفيذ. وبحسب يسسخروف، في كلّ صورة تأتي من غزة، وكلّ تقرير تلفزيوني، تتوضّح أبعاد هذا الحدث: دمار كارثي بأحجام تكاد تكون توراتية، وفي كلّ مرة يبرّرونه لنا بصورة مغايرة، فمرّة يكون الهدف "هزيمة لواء خان يونس"، ومرة أُخرى بذريعة الحاجة إلى حماية "المحور الذي يبتر القطاع"، وأحيانًا يكون السبب حماية قوات الجيش، في وقت يُصاب فيه الجنود ومشغلو المعدّات الهندسية أثناء تنفيذ عمليات الهدم.
الكاتب في "هآرتس" جدعون ليفي وجّه سهام انتقاداته إلى حكومة نتنياهو، وأكّد أنه من أجل إجلاء مليونَي إنسان من وطنهم، لا بدّ من وجود خطة، وإسرائيل تعمل عليها، والمرحلة الأولى تكمن في نقل عدد كبير من السكان إلى معسكر اعتقال لتمكين تنفيذ عملية الترحيل بفعالية. وأضاف الكاتب الإسرائيلي أنّ تل أبيب تنفّذ ببرود جريمة ضدّ الإنسانية، فهي لا تهدم بيتًا هنا أو هناك من أجل "حاجات عملياتية"، إنما تقوم بإبادة ممنهجة لكلّ معالم الحياة، وتهيّئ البنية التحتية لتجميع السكان في "مدينة إنسانية"، يُفترض بها أن تكون معسكر عبور قبل الترحيل إلى ليبيا أو إثيوبيا أو إندونيسيا.
الصحافي في "معاريف" عوديد طيره أسف لأنّ "حماس" لن تُطلق جميع الأسرى لأنها تسمع من الإسرائيليين وحتى من المتظاهرين والمحلّلين أنّ تل أبيب ستعود إلى الحرب، والحركة بحاجة إلى الأسرى في حال تجدّدت المواجهة بعد إبرام أي اتفاق لوقف إطلاق النار. وأضاف طيره أنه من الممكن أن توافق "حماس" على صفقة جزئية، لكن ليس أكثر من ذلك، ما يعني أنّ الإفراج عن جميع الأسرى لن يحدث إلّا بالقوّة.