يوميًا، تتجدّد الفاجعة على طرقات لبنان، حيث يضيف القدر أسماءً جديدة إلى قائمة ضحايا حوادث السير. لقد أصبحت أخبار الحوادث مشهدًا مألوفًا، وسط غياب تحرّك جدّي يضع حدًّا لهذا النزيف المتواصل على ما بات يُعرف بـ"طرقات الموت." فبحسب "الدولية للمعلومات"، شهد عام 2025 ارتفاعًا في عدد قتلى حوادث السير مقارنة بالعام السابق، إذ سُجّل 442 قتيلاً في 2024، فيما بلغ عدد الضحايا حتى نهاية حزيران 249، ما ينذر بتجاوز الحصيلة عتبة الـ500 مع نهاية العام الحالي.
وبالغوص في التفاصيل، يرى جو دكاش، نائب رئيس جمعية "اليازا"، أن أسباب حوادث السير واضحة ومتعددة. تتصدرها السرعة الزائدة وتلهّي السائق، خصوصًا باستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة.
يُضاف إلى ذلك سوء حالة المركبات، نتيجة غياب الصيانة الدورية والمعاينة الميكانيكية، مما يؤدي إلى أعطال مفاجئة. كما أن البنية التحتية الضعيفة، من طرق متضررة، إشارات مرور غير واضحة، فواصل متهالكة، وإضاءة معدومة، تجعل القيادة أكثر خطورة. ويشير دكاش إلى غياب التخطيط المروري، خصوصًا على مستوى تنظيم حركة المرور والتقاطعات وإدارة الازدحام، مما يخلق فوضى على الطرق. كما يُسلّط الضوء على ضعف الرقابة، نتيجة نقص عناصر قوى الأمن وغياب مديرية متخصصة للمرور. أما ركيزة هذه الأسباب فهو غياب تطبيق القانون رغم وجوده، بالإضافة إلى ضعف التنسيق، حيث لم يُفعَّل دور الهيئة الوطنية ولا اللجنة الوطنية للسلامة المرورية، وفق دكاش.
حلول بديهية
وفي حال أردنا الحديث عن الحلول، فإنها شبه بديهية، حيث يؤكد دكاش أن المعالجة تبدأ من تطبيق القانون بفعالية، من خلال الردع والمعاقبة على المخالفات، وتفعيل دور القوى الأمنية. ويدعو إلى إعادة تفعيل المعاينة الميكانيكية، إلى جانب الصيانة المستمرة للطرقات. وفي ما يخص السلامة الفردية، يشدد على فرض استخدام وسائل الأمان مثل كراسي الأطفال، أحزمة الأمان، والخوذات. وللحد من السرعة، يعتبر تفعيل الردارات الحديثة أداة ضرورية لمراقبة السرعة وضبط المخالفات إلكترونيًا.
وفي سبيل بناء سياسات فعّالة، يرى أنه من المهم إنشاء مركز إحصائي وطني لحوادث السير، يوفر بيانات دقيقة حول مواقع الحوادث وأعمار وأجناس الضحايا، ما يتيح توجيه الإجراءات، بالإضافة إلى إنشاء مديرية متخصصة للمرور تُعنى بالتنظيم والمراقبة على مدار السنة.
هل من ثغرة في القانون كما يُشاع؟
في سياق متصل، يجري الحديث عن استنسابية في تطبيق القانون وربما ثغرة، كلما وقع حادث بين سيارة ودراجة نارية. وكثيرًا ما يُطرح سؤال: هل "الحق دائمًا مع سائق الدراجة النارية"؟
يوضح دكاش أن القانون لا ينص على ذلك، بل تُحدَّد المسؤوليات بناءً على الوقائع واحترام كل طرف للقوانين المرورية. لكن الانطباع السائد يعود إلى عوامل عدة، أبرزها ضعف حماية سائق الدراجة مقارنة بسائق السيارة، ما يدفع المحققين أو القضاة لتحميل الأخير جزءًا أكبر من المسؤولية، خاصة في حال وقوع إصابات. كما أن غياب التأمين عن الدراجات غالبًا ما يُحمّل سائق السيارة كلفة العلاج، إلى جانب تأثير شهادات الشهود التي قد تميل لمصلحة الدراجة، بحسب دكاش.
وبالتالي، لا يستند التقييم دائمًا إلى النص القانوني، بل يتأثر بالضرر الناتج، والبعد الإنساني، وواقع شركات التأمين.
وبما أن يدًا واحدة لا تصفّق، يشدّد دكاش في ختام حديثه على أن "يازا" تقوم بدورها، لكن الجهود الفردية تبقى محدودة ما لم تتحمّل الجهات المعنية مسؤولياتها.