شادي معلوف

الخارج من "بيت عاصي وفيروز" و "الأخوين الرحباني"

زياد الرحباني ثائر بلا انقلاب على الأب والأمّ والعمّ

5 دقائق للقراءة
زياد مع عاصي وفيروز

باكرًا ثار زياد الرحباني (1956 - 2025) على «النظام الأبويّ» في بيته الوالديّ أوّلًا، بيت عاصي الرحباني وفيروز، ثمّ بعد فترة في بيته الفنّيّ، بيت «الأخوين الرحباني». وإذا كانت عبارة «النظام الأبويّ» لا تأتي هنا بمعناها المستخدَم في السياقات الاجتماعيّة والنسويّة تعبيرًا عن تحكّم «السلطة الذكوريّة» بالأسرة، فهي تأتي في سيرة الراحل زياد الرحباني، للدلالة على «ثورته» التي بدأت في عمر المراهقة على أب وأمّ لم تكن علاقتهما الزوجيّة كما يشتهيها كلّ ولد أو بنت.


وهو في عدد من مقابلاته الصحافيّة والإعلاميّة اللاحقة لمغادرته المنزل الأبويّ، عبّر بطريقته الساخرة عمّا كان يشهده من خلافات بين والدَيْه وأخبر عن دَور «الوسيط» الذي كان يتولّاه بينهما، مشبِّهًا نفسه بفيليب حبيب، الوسيط الأميركي الشهير في خلال جولات الحرب الأهليّة اللبنانيّة.



ثورة المراهق والفنان

ثورة زياد المراهق على المنزل الوالديّ، أتبعها حين احترف مجال التأليف والموسيقى والمسرح بثورة زياد الفنان، على شكل ومضمون فنّيَّين بنى عليهما الأخوان عاصي ومنصور الرحباني ومعهما ثالثة الثالوث فيروز، مسارهم الغنائيّ والمسرحيّ راسمين للبنانيّين والعرب صورة «لبنان الحلم»، وما لبث هؤلاء أن شهدوا منذ سبعينات القرن العشرين انهياره وتفتّته، فاعتبر بعضهم ذلك اللّبنان «كذبة» جعلهم عاصي ومنصور وفيروز يعيشونها عن سابق تصوّر وتصميم.


ثورة زياد الرحباني على هذا النمط المسرحيّ والغنائيّ الرحبانيّ، تبدّت في نمط الكلمات والألحان والنصوص التي قدّمها في عدد من أعماله الغنائيّة والمسرحيّة وبرامجه الإذاعيّة ومقالاته الصحافيّة. حتى أنه ذات مرّة عبّر عنها في ندوة كان حاضرًا فيها عمّه منصور الرحباني وكان «تلفزيون لبنان» ينقلها مباشرةً على الهواء. قال زياد لمنصور يومذاك: «أول ناس لبنانيّي عملتو شي للبنان، وشي كتير كبير، وأكبر ممّا هوي لبنان نفسو، اكتشفناها بالحرب. والدليل أيّ واحد بدّو يضمنا، بيضمنا ساعة اللّي بدو يعني. عملتو لبنان مش موجود».


سبق ذلك الكلام وتلاه، غمز ولمز من طريقة تصوير الرحبانيَّين الكبيرَين للبنان وناسه، أدرجها زياد في حوارات مسرحيّاته التي أبرز فيها واقع البلد زمن سنوات الحرب التي شهدت تقديم مسرحيّاته، بالمقارنة مع «العالم الرحبانيّ المثاليّ» الذي كان يقدّمه الأخوان في أعمالهما، وراسمًا شخصيّات «من لحم ودم وأخطاء»، إذا ما قورنت مع شخصيّات كانت أقرب إلى المثاليّة والملائكيّة في مسرحيّات أبيه وعمّه.


تلك السرديّة ساهمت في بناء الهويّة الفنّيّة لزياد الرحباني المؤلّف الغنائيّ والمسرحيّ، المعتمدة على تقديم الواقع المعاش من دون تجميل، وعلى النقد الصريح إلى حدّ الصّدمة وإن بغلاف ساخر في العبارة والأداء. هذا طبعًا من دون الانتقاص من الموهبة والحرفيّة الفنّيّتين اللتين ميّزتا أعمال زياد الرحباني الكاتب والموسيقيّ واللتين رسّختاه رقمًا صعبًا يُجمع متابعو مساره على أنّ ظروف البلد كما ظروفه الخاصة لم تتح له تقديم كلّ ما عنده قبل غيابه الأخير.



كان وصار

لكن قبل كلّ ذلك، كانت البدايات الفنّية لنجل عاصي الرحباني وفيروز، تشي بغير ما صاره مساره. إذ نجده يساهم في تلحين أغنيات لفيروز في عدد من مسرحيّاتها، منذ مسرحيّة «المحطّة» عام 1973 التي غنّت فيها «سألوني الناس» من ألحان زياد وكلمات منصور تحيّةً لعاصي الذي كان تعرّض قبل أشهر لجلطة دماغيّة. وها هو يطلّ معها في دورَين صغيرَين في «المحطّة» ثم «ميس الريم». 


وفي مسرحيّته الأولى «سهريّة» التي حملت توقيعه مؤلّفًا وملحّنًا، لم تخرج ألحانه ولا حتى تركيبة المسرحيّة، عن النمط الرحباني المعتاد للأب والعمّ، قبل أن يأخذ الابن طريق التغيير الذي أنتج لاحقًا «مدرسة» صار لها مريدون وطلاب رسب معظمهم حين سعوا عن قصد أو غير قصد إلى تقليد أسلوبه أو في أحسن الأحوال تلَبُّسه.


وبين ما كانه زياد وما صاره، تبقى لنا مجموعة أغنيات من توقيعه ضمن أعمال للأخوين الرحباني، فأصابه في تلك المرحلة ما أصاب فيلمون وهبي والياس الرحباني اللذَين اختلطت على الجمهور أغنياتهما مع الأغنيات التي وقّعها الأخوان في أعمال مسرحيّة وتلفزيونيّة؛ فانحسر حقّهم المعنويّ إلّا على الباحثين والمدقّقين فيها. ويُمكن في هذا الإطار ذكر ألحان له في المسلسلَين الغنائيَّين «من يوم ليوم» و «ساعة وغنّية»، مثل: «بيقولو قيس» لملحم بركات، و«تركني انسالي اسمي» لمنى مرعشلي، و«ضلّي حبّيني يا لوزيّة» و «بآخر الشارع» و «قللي الهوا» لهدى حداد، و «ما بعرف مين» لفاديا طنب، و «يا ريح المسا» لرونزا، و «غالي على قلبي غالي» لعبده ياغي، ومعظم أغنيات تلك الحقبة وأخرى بعدها كانت من كلمات الشاعر جوزيف حرب.



المصالحة

وتأتي مرحلة في المسار الفنّي للراحل زياد الرحباني، يمكن اعتبارها مرحلة المصالحة مع أعمال الأخوين الرحباني، حين تولّى إعادة توزيع أغنيات لهما أعادت فيروز أداءها في تحيّة «إلى عاصي»، أو حين تولّى الإدارة الموسيقيّة للحفلات الأخيرة التي أحيتها والدته، وأبرزها ضمن «مهرجانات بيت الدين» عام 2000، فترك من جديد بصماته التوزيعيّة الموسيقيّة على أغنيات شاعت للثلاثي الرحباني الكبير.


وإذا كان الموت قد طوى زياد الرحباني كما هو مصير كلّ ابن آدم على هذه الأرض، يبقى منه عطر فريد في مسار الأغنية والموسيقى اللبنانيّتين سيعيش سنوات طويلة، وسيبقى يذكّر بذاك الثائر على تجربة موسيقيّة وغنائيّة ومسرحيّة اسمها الأخوان الرحباني وفيروز. لكنّها ثورة لم تبلغ مرحلة الانقلاب الكامل على زمن الأخوين ونتاجهما وتحطيم معالمهما، ولا بلغت مرحلة الثورة التصحيحيّة، بل يمكن تسميتها بالثورة التجديديّة التي تشبه صاحبها وزمنه.