مضى عام على رحيل زياد الرحباني (01-01-1956 / 26-07-2025)، وستنقضي أعوام كثيرة قبل أن يحيط الجمهور بكامل الإرث الموسيقي والغنائي والمسرحي الذي تركه الفنان المبدع، والذي يشبه شخصيّته بتجلّياتها وطبائعها الفريدة والمميّزة. ولعلّ التكريم الأفضل للمبدعين في مختلف المجالات هو الاستمرار في التذكير بأعمالهم واستعادتها وتحليلها وقراءتها علميًا. في الذكرى السنوية الأولى لانضمام زياد الرحباني إلى سجلّ الخالدين من أهل الإبداع الفني، يكتب القائد الرئيسي لـ "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" في "المعهد الوطني العالي للموسيقى"، المايسترو أندريه الحاج، لـ "نداء الوطن"، عن عمق موسيقى زياد الرحباني، انطلاقًا من تجربة عملية خاضها على بعض مؤلفات الراحل.
موسيقى زياد الرحباني ليست مجرد مجموعة من الألحان والمؤلفات، بل هي مشروع فني متكامل شهد تطورًا مستمرًا عبر مراحل حياته الفكرية والإنسانية. فهو لم يكن يومًا أسير مدرسة موسيقية واحدة، بل استطاع أن يقرأ التراث الموسيقي العالمي والعربي ويعيد كتابته بلغته الخاصة، محافظًا على هويته اللبنانية من دون أن ينغلق عليها. وكان لي شرف قيادة أبرز أعماله مع "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية"، ما أتاح لي اكتشاف العمق الحقيقي لهذه المؤلفات وكيفية تطورها من عمل إلى آخر.
في "آثار على الرمال"، نلمس الفكر الكلاسيكي الأوروبي بوضوح. فزياد يستحضر في كتابته للبيانو ذلك الشجن الميلودي العميق، ويستغني عن الإيقاع التقليدي لمصلحة التعبير الحر واللون الهارموني، وكأنه يترك للّحن أن يروي حكايته بعيدًا عن أي قيود زمنية أو إيقاعية.
أما في "رابسودي"، فيذهب زياد إلى مساحة أكثر جرأة وطموحًا، إذ يستعين بمقدّمة Franz Liszt ويوسّعها في نسيج درامي وإيقاعي لا يحمل إلا بصمته الخاصة.
وفي "ميس الريم"، ينجح زياد في تحقيق واحدة من أجمل معادلاته الفنية؛ إذ يأخذ الإيقاع الغربي ويُلبسه ثوبًا لبنانيًّا خالصًا، جامعًا بين الكلاسيكية التقليدية والحداثة الشرقية.
أما في موسيقى "فيلم أميركي طويل"، فتظهر قدرة زياد الاستثنائية على استيعاب الإرث الموسيقي العربي، ولا سيّما الروح المصرية التي طبعت القرن العشرين، إذ يستلهم المقدّمات الغنائية الطويلة وجوّ أمسيات أم كلثوم الشهيرة، ثم يعيد صياغتها بلهجة لبنانية معاصرة تحمل حساسيته الموسيقية الخاصة.
تكمن عبقرية زياد الرحباني في أنه لم يكن مقلِّدًا لأي مدرسة موسيقية، بل كان دائمًا قادرًا على تحويل التأثر إلى إبداع. لقد استطاع أن يكون وفيًّا لجذوره ومتحرِّرًا منها في آن واحد، وأن يجمع بين التراث والحداثة، وبين الشرق والغرب، من دون أن يفقد صوته الخاص. لذلك، تبقى موسيقاه شاهدًا على فنان استثنائي متجدِّد في كل مرحلة من مراحل إبداعه، ومؤثِّر في الوجدان الموسيقي اللبناني والعربي حتى اليوم.
ترك لنا زياد الرحباني خمسين عامًا من الموسيقى للمستقبل الآتي.
* المايسترو أندريه الحاج
القائد الرئيسي لـ "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" في "المعهد الوطني العالي للموسيقى"