جوزيف مراد

طوباويّ اللحن والكلمة

3 دقائق للقراءة
زياد الرحباني

زياد الرحباني «يا رَيتَك مش رايح يا رَيت بتبقى عا طول».

«بالنسبة لبُكرا شو؟». غدًا يومٌ آخر وزياد الرحباني وراء الشمس. أبعدُ من المدى الأوسع وعتمة الليل.

لحظة التجلّي التي جَمَعَت عاصي الرحباني بفيروز غيّرَت عَبَق التاريخ الفنّي وتُوِّجَ بولادة زياد. ليس سهلًا أن يكون ابنُ عاصي وفيروز ويبقى اسمُهُ «ما بيشبه حدا!».


عانقَت موسيقاه السماء والعالمَ بأسره، لأنها كانت تجسّدُ الكوميديا والدراما الإنسانيّة.

دخَلَت مفرداتُه حواراتنا اليوميّة ولم نوَّفَّق مرَّةً بتقليدهِ لكي نتفَوَّق عليه. لم يكن زياد الرحباني مجَرَّد موسيقيّ أو كاتب، بل مرآة وطن يبحثُ عن ذاته وصَوت شعبٍ أنهكهُ الانتظار. من روّاد التجديد في الموسيقى اللبنانيّة والعربيّة، حيثُ مَزَجَ بين المقامات الشرقيّة وموسيقى الجاز ما أدّى إلى خلق أسلوبٍ فريد ومميَّز. يحتاجُ التجديدُ إلى ثلاثة عناصر:

1- الموهبة 

2- العِلم 

3- الشجاعة


وزياد الرحباني كانَ مجَلّيًا ورائدًا.


وضَع لنفسه أسلوبًا فنّيًا مستقلًّا يعكسُ الواقع اللبنانيّ بمراراتهِ وسخرياتِه، ما جعَلَهُ يحافظ على مكانتِه كفنّان مبتكر ومؤثّر.


في التحليل العلميّ، اعتُبِرَ زياد الرحباني في بعض الأحيان من قِبَل المتشدّدين، إن صحّ التعبير، أنهُ «مهرطق» بالموسيقى. لكنَّ الزمن وبسرعةٍ قياسيّة، أثبتَ أنه مدرسة متفرّدة حاول كثيرون تقليده، إن في التأليف النغمي (La Melodie) المبنيّ على جُمَلٍ لحنيّة جديدة غير موروثة، فيها من التجديد والجماليّة ما يفوق التوقّع، أو في الكتابة الشعرية الفريدة المتميّزة بمفرداتها الجريئة.مثل بداياته مع السيدة فيروز، في «سألوني الناس»، و «حبّو بعضن»، أو لمروان محفوظ مثل «سرقني الزمان»، و «حدا من اللي بيعزّونا»، وصولًا إلى «عودَك رنّان»، أو «ولعت كتير»، وغيرها حيث لا يجرؤ الآخرون. أو في الموسيقى التصويرية والمقدّمات المسرحيّة مثل مقدّمة «ميس الريم»، و «بترا»، إلى «آثار على الرمال» تلفزيونيًّا. مقطوعات تُدَرَّس بالعلم (Harmonie) والتركيبة الأوركستراليّة (Orchestration).


وكما في الموسيقى، كذلك في المسرح. قدّمَ أعماله المسرحيّة جامعًا بين الفنّ والسياسة ورؤيته الاجتماعيّة. ولا شكّ في نبويّة أفكاره، فكانت مسرحيّاته بمثابة مرآة حقيقيّة لواقع الشعب اللبناني وحالته، حيث عالج قضايا اجتماعيّة وسياسيّة بأسلوب ناقد حادّ، فكان شكلًا من أشكال المقاومة اللبنانيّة النقيّة، امتدَّ تأثيره إلى خارج حدود الوطن والأجيال المتعاقبة.


اعتُبرَ في بعض الأحيان وكأنّه ملحد، إلّا أنَّ أعماله الكنسيّة سطعت كما يومض البرق في أفقٍ. يكفيهِ عمقًا إيمانيًّا أنه في كلّ إشراقة صباحٍ ومغيب شمس، هناك ترنيمةٌ من تلحينه تصدحُ في حنايا كنيسةٍ من كنائس الأرض.


في حواراته ومقابلاته ترى أمامك فنانًا صادقًا لا يوارب ولا يكذب؛ إنها الشفافية المطلقة!

زياد الرحباني طوباويّ اللحن والكلمة، اليوم تهتف السماء: مباركٌ الآتي من شقاء الأرض. وهو من كتبَ في طفولته أول أعماله الشعرية بعنوان: «صديقي الله».


آثاره ليست على الرمال بل في تاريخ الفنّ اللبناني والعالم.

بغياب زياد الرحباني رحل جزءٌ من السِّحر وراح ركنٌ من أركان الحكاية الرحبانيّة. حمل في طيّات أعمالهِ همَّ الفقراء والمظلومين.


اليوم تُطوى صفحة لا تشبه إلّا صاحبها، وتبقى الكلمات والموسيقى شاهدة على حضورٍ لا يغيب.

«بالآخر في آخر في وقت فراق».

في كلّ مرَّةٍ يغيب كبيرٌ من لبنان، يصرخ وطني بكلمة المسيح مع المرأة النازفة… «إنَّ قوّةً خرجت منّي».


مؤلّف موسيقيّ