المحامي جان نمور

لكي يتغيّر لبنان... نحتاج إلى سرديّة جديدة

3 دقائق للقراءة

وسط الأزمات المتتالية التي تعصف بلبنان، من انهيار اقتصادي عميق إلى انسداد سياسي مزمن، ومن تفكك اجتماعي وتناحر طائفي إلى غياب شبه كامل لحكم القانون، يُعاد طرح شعار "الإصلاح" مع كل أزمة. في لبنان، لم تفلح لا ثورة 17 تشرين، ولا الانتخابات، ولا المبادرات الدولية، في إحداث التغيير المنشود. ليس لأن الناس لا يريدون، بل لأننا ما زلنا نفتقر إلى تلك "السرديّة الجديدة"، التي تجمع بين أجزاء ماضينا المتنازع عليه، وواقعنا الممزّق، وتطلّعاتنا الغامضة. ما زال اللبنانيون يعيشون في ظل روايات قديمة: عن الحرب، الطائفة، الزعامة، الخصومة التاريخية، والهوية المشتّتة. روايات متناقضة، تتناحر بدل أن تلتقي، كل فريق يرى نفسه ضحية، وكل طائفة تخشى الذوبان، وكل ذاكرة تُستخدم أداةً لتكريس الانقسام، فالكتب المدرسية لا تروي التاريخ نفسه، والإعلام موزّع بين روايات متناقضة، والهوية الوطنية مبنية على انتماءات طائفية وجغرافية متناحرة.

بالنتيجة نعيش "معًا" دون أن نعيش "سويًا"، لنأخذ مثلًا ساحة الشهداء في بيروت: مكان كان يُفترض أن يجسّد وحدة الذاكرة والنضال، تحوّل إلى رمز ضائع بين تظاهرات متضاربة، كل منها تحمل سردية خاصة عمن هو العدو؟ ومن هو البطل؟


اللبنانيون بحاجة إلى قصة وطنية جديدة تتحدّث عن الإنسان اللبناني، عن كرامته، عن حقّه في العدالة والعيش الكريم، عن وطن يكون مساحة حياة وحوار لا حلبة صراع لا ينتهي، هذه السردية يجب أن تُبنى على الاعتراف بالتجربة الجماعية بألمها وأخطائها لكنها لا تتوقف عندها بل تنطلق إلى الأمام، وتعيد صياغة الحلم اللبناني، ليس على قاعدة "لبنان الرسالة" كشعارٍ فضفاض، بل كواقعٍ قابل للبناء والعيش والاستمرار، سردية تعترف بالتعدد، لكن تُؤسس لوحدة في الرؤية والمسار، وتُضيء على المستقبل لا كخوف، بل كأمل.


ما هي القصة التي نريد أن نرويها عن أنفسنا كوطن؟ ما الذي يجمعنا كلبنانيين؟ من نحن؟ ولماذا نعيش معًا؟ وما هو شكل الوطن الذي نستحقه؟ وما هي الصورة التي نطمح أن نراها في مرآة التاريخ بعد عقد أو اثنين؟ التغيير يبدأ من إعادة بناء المخيّلة الجماعية... تشكّل وعي الناس وتحرّرهم من قيود الماضي المكرَّس كـحقيقة مطلقة، فهي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، لأنها تتعلّق بإعادة تعريف مفاهيم مثل الكرامة، الانتماء، السيادة، المواطنة، العدالة والقانون.

الحل يكمن في ثورة ثقافية سلمية تُعيد تعريف الهوية اللبنانية كهوية جامعة لا طاردة، تُكسر الأصنام الطائفية والأساطير والأفكار التي منعت اللبنانيين من أن يُكوّنوا قصة واحدة يعيشونها سويًا، وحتى يحين ذلك، يبقى لبنان في حاجة ماسّة إلى أن يسأل: ما هي قصتنا المشتركة؟ وهل نحن مستعدون لإعادة كتابتها؟ وهل النظام السياسي القائم قادر على إفراز هذه السردية الجديدة؟