أثبتت "حرب الأيام الـ 12" الإسرائيلية - الأميركية ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية فشل منظومة الردع الاستراتيجي التي حاكها ملالي طهران على مدى عقود بكلفة هائلة على كافة المستويات، والتي تمثلت بدعم ميليشيات إقليمية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وتطوير برنامجَي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع تطوير البرنامج النووي وزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، بشكل يعزز وضعية إيران التفاوضية مع الغرب، من دون أن تتخطى النسبة المطلوبة لصناعة سلاح نووي.
اليوم، بات ملالي طهران "من دون أوراق"، كما يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي توعّد الأسبوع الماضي بضرب المنشآت النووية الإيرانية مجدّدًا في حال أُعيد تشغيلها، في وقت أعطبت فيه إسرائيل منذ 7 أكتوبر أذرع الملالي في المنطقة واحدًا تلو الآخر، حتى وصلت إلى "رأس الأخطبوط" عبر شنها الحرب على إيران الشهر الماضي، حيث قضت على عشرات القيادات العسكرية الرئيسية وبنى تحتية عسكرية وعلماء نوويين بارزين، فضلًا عن منشآت نووية، محققة خلال ذلك سيطرة جوية كاملة على معظم البلاد، فيما كان عناصر "الموساد" يسرحون ويمرحون على الأرض في قلب طهران.
شكّلت تلك الأحداث هزيمة استراتيجية مدوية للملالي يصعب جدًا تخطيها، إذ إنها لم تؤدِ إلى خسارة إيران دورها كقوة إقليمية فحسب، بل أضحى نظام الجمهورية الإسلامية مهدّدًا بالسقوط أكثر من أي وقت مضى، بحيث كانت البلاد تعاني أصلًا من أزمات جسيمة على المستوى الداخلي قبل الحرب، خصوصًا في ما يتعلّق بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة نتيجة مزيج من العقوبات الخارجية والسياسات الاقتصادية السيّئة والفساد داخليًا، بالإضافة إلى مسألة قمع الحرّيات السياسية والاجتماعية عبر الترهيب والسجن والعنف والإعدامات القضائية.
عمّقت الحرب تلك الأزمات وعطّلت الأدوات التي كان يستخدمها الملالي للهروب إلى الأمام، فلطالما ابتزت طهران الغرب ببرنامجها النووي بهدف رفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما كان يمنحها متنفسًا يسمح لها باستكمال دعمها للميليشيات الإقليمية وتطوير برامجها للصواريخ والمسيّرات، بالتوازي مع تحسين نسبي للأوضاع الاقتصادية داخليًا. لكن إيران خسرت عمليًا ورقة النووي، إذ أكد وزير خارجيّتها عباس عراقجي الأسبوع الماضي أن تخصيب اليورانيوم متوقف حاليًا في بلاده بعد الضرر الجسيم الذي أقرّت إيران وتقارير إعلامية عديدة بأن منشآتها النووية تعرّضت له من جرّاء الضربات الأميركية والإسرائيلية عليها. كما استطاعت تل أبيب القضاء على جزء مهمّ من قدرات إيران الصاروخية، الأمر الذي بدا واضحًا في الأيام الأخيرة من الحرب حينما تراجع عدد الصواريخ التي أطلقتها طهران بشكل كبير.
مع انعدام قدرة الملالي على رفع العقوبات الآخذة في الاشتداد من خلال تنازلات نووية شكلية، لا يزالون يحاولون تسويقها للقوى الأوروبّية عبر محادثات جرت أخيرًا في اسطنبول لم يسفر عنها شيئًا يُذكر، وبعد الكلفة الكبيرة التي تكبّدها الاقتصاد الإيراني خلال الحرب، تعاني طهران اليوم من أزمة اقتصادية صعبة تُرجمت أخيرًا على الأرض بانقطاع واسع النطاق للمياه والكهرباء الأسبوع الماضي، وقد أفاد موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض باندلاع بعض الاحتجاجات في بعض المناطق الإيرانية بسبب ذلك. وأظهر تقرير نشرته منصّة التوظيف "جاب ويجن" أنه انخفض عدد فرص العمل في البلاد بعد الحرب بنسبة 24 في المئة مقارنة بالفترة التي سبقتها.
توازيًا، شجّع الضعف الذي أظهره نظام الملالي خلال الحرب خصومه الإيرانيين التاريخيين على التحرّك ضدّه بجرأة وفعالية أكبر، وتجلّى ذلك أخيرًا بأحداث عديدة حصلت الأسبوع الماضي، كان أبرزها تنظيم ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي مؤتمر "التعاون الوطني من أجل إنقاذ إيران" الذي انعقد في ميونيخ السبت بمشاركة طيف واسع من السياسيين الإيرانيين المعارضين في الخارج، بحيث وصفه بهلوي بأنه "أكبر تجمّعات المعارضة وأكثرها تنوّعًا"، وقد شدّد المشاركون على أهمية نبذ الخلافات الأيديولوجية في مواجهة نظام الملالي، مؤكدين اتفاقهم على "الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية، احترام الحرّيات الفردية والمساواة بين جميع المواطنين وفصل الدين عن الدولة"، بينما كشف بهلوي أن ما لا يقلّ عن 50 ألفًا من مسؤولي النظام وعناصر القوات العسكرية التابعة له انضمّوا حتى الآن إلى حملة "التعاون الوطني" الإلكترونية التي أطلقها بهدف المساهمة في إسقاط النظام.
أمّا على مستوى تحرّكات المعارضة الداخلية، فتبنت جماعة "جيش العدل"، التي تشكّل أقلية البلوش المسلمة السنية المهمّشة عمودها الفقري، هجومًا على محكمة في إقليم سيستان وبلوشستان السبت، مبرّرة هجومها بأحكام الإعدام وأوامر هدم المنازل التي أصدرتها تلك المحكمة بحق أفراد من البلوش، في حين أعلن "الحرس الثوري" ليل الجمعة - السبت مقتل أحد عناصره وإصابة آخر في هجوم "من قِبل إرهابيين" على قاعدة للحرس في سردشت الواقعة على الحدود مع إقليم كردستان العراق. كما اندلعت عدة حرائق وانفجارات في مناطق إيرانية مختلفة خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما أثار أسئلة حول احتمال أن تكون تلك الحرائق والانفجارات ضمن مخطّط يستهدف نظام الملالي تقف خلفه جهة داخلية أو أكثر.
في مواجهة تلك التحدّيات الكبيرة، يلجأ نظام الملالي منذ وقف النار مع إسرائيل إلى أكثر أداة اعتمد عليها لتثبيت سطوته على البلاد منذ نشوء الجمهورية الإسلامية، وهي تشديد قمعه للحرّيات السياسية والاجتماعية، خصوصًا عبر السجن والإعدام. واعتبر رئيس الادعاء السابق في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا ستيفن جي. راب في مقال نُشر في صحيفة "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي أن نظام الملالي أصبح أكثر عدوانية تجاه المعارضين السياسيين في الداخل بعد الحرب الأخيرة، من جرّاء شعوره بالوهن إثر الاختراق الاستخباراتي الكبير الذي تمكّنت إسرائيل من تحقيقه، مشيرًا إلى أن "آلاف الإيرانيين باتوا في خطر في ظلّ سعي البرلمان إلى تسريع إصدار أحكام الإعدام في قضايا تتعلّق بتهم مختلقة بالتعاون مع جهات أجنبية". وأوضح أنه "إذا استمرّ المسار الحالي، فقد يتجاوز عدد الإعدامات في إيران لعام 2025 أي رقم في الذاكرة الحديثة، باستثناء، ربّما، فظائع عام 1988".
بعد إفلاس نظام الملالي أيديولوجيًا واقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، يرى مراقبون أن سقوطه بات مسألة وقت، لكن في حال لم يستمرّ الغرب في عقوباته على إيران من خلال اتفاق مع الملالي، سيمنحهم ذلك مليارات الدولارات التي ستُستثمر في زعزعة الاستقرار في المنطقة وإعادة بناء قدراتهم العسكرية والنووية وتشديد سطوتهم في الداخل، إنما بعد التغيير الجذري الذي طرأ على ميزان القوة في الشرق الأوسط خلال العامَين الماضيين وفقدان الملالي كافة أوراقهم، من المرجّح أن يستمرّ الغرب في سياسة العقوبات على طهران ويكثفها، بالتوازي مع دعم المعارضة الإيرانية.