من دون تصويت المغتربين… لا تغيير ممكناً، بل عودة مؤكدة إلى نقطة الصفر في بلد تحكمه طبقة سياسية مترسّخة منذ عقود، وفي ظل انسداد أفق التغيير من الداخل، يظهر اللبنانيون المنتشرون في الخارج كقوة انتخابية واعدة قد تُحدِث الفرق. لكن هذه القوة، بكل ما تمثله من وعي واستقلالية، تواجه رفضًا متكرّرًا من أطراف سياسية تخشى التغيير، وفي مقدّمتها الثنائي : حزب الله وحركة أمل.
المنتشرون: رقم صعب في المعادلة الانتخابية
منذ انتخابات 2022، تبيّن أن المنتشرين اللبنانيين لا يشكّلون فقط امتدادًا إنسانيًا واقتصاديًا للبنان، بل أيضًا رأسمالًا سياسيًا يجب استثماره في عملية التغيير. فقد ساهمت أصواتهم في خرق المنظومة ببعض الدوائر، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا وعي المنتشرين وتحللهم من الولاءات الحزبية الضيقة.
ومع اتساع رقعة الهجرة بعد الانهيار الاقتصادي عام 2019، أصبحت كتلة الإنتشار أوسع، وأقدر على لعب دور مفصلي في الانتخابات المقبلة. من هنا، تصبح مشاركتهم ليست فقط حقًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ البرلمان من إعادة إنتاج نفس الطبقة السياسية.
الميغاسنتر: مشروع محاصر بالرفض
كل نقاش جدي حول تسهيل الاقتراع، سواء للمقيمين أو للمنتشرين، يصطدم برفض قاطع من الثنائي. ففكرة الميغاسنتر، التي تسمح للبنانيين بالتصويت في أماكن سكنهم بدل مناطق قيدهم، تلقى اعتراضًا دائمًا بذريعة "عدم الجهوزية التقنية" أو "الخوف من التزوير". لكن الحقيقة السياسية أكثر وضوحًا: كلما خفّت قبضة الزعامة المحلية، زادت احتمالات خسارة الأحزاب الكبرى.
الميغاسنتر يشكل تهديدًا مباشرًا لمنطق الزبائنية والولاء المناطقي، ولهذا يتم عرقلته مرارًا. أما المغتربون، الذين لا يصوتون بدافع الحماية أو الخدمات، فهم أكثر خطورة على التوازنات التقليدية، وأصواتهم لا يمكن التنبؤ بها أو ضبطها.
الرهان الأخير: إما المنتشرون… أو لا برلمان تغييري
الانتخابات النيابية المقبلة ليست استحقاقًا روتينيًا، بل مفترق طرق. إما نسمح للمنتشرين بالمشاركة الكاملة، أو نخسر فرصة نادرة لإعادة تشكيل الحياة السياسية. من دونهم، تُعيد المنظومة إنتاج نفسها، تحت مسمّيات مختلفة، ولكن بالنهج ذاته.
صوت المغترب ليس فقط صوت احتجاج، بل صوت مشروع بديل. لذا فإن معركة السماح له بالاقتراع، ومعركة إنشاء الميغاسنتر، هي معركتا إصلاح سياسي ودستوري، ومن يعطّلهما يتحمل مسؤولية إبقاء لبنان في الدوامة نفسها.
الخلاصة: لا ديمقراطية من دون مشاركة الجميع
تصويت المغتربين، إلى جانب اعتماد أدوات مثل البطاقة الممغنطة والميغاسنتر، لا يمثّل ترفًا انتخابيًا، بل خط الدفاع الأخير عن مفهوم الدولة والمواطنة. إقصاء هذه الفئة، عن قصد أو بحجج واهية، هو حكم بالإعدام على إمكانات التغيير.
إذا أردنا فعلاً برلمانًا يعكس طموحات الناس لا تركيبات الطوائف، فعلينا أن نخوض معركة قانونية وشعبية وإعلامية لانتزاع هذا الحق، قبل أن يفوت الأوان.