الدكتور سايد حرقص

مرسوم التجنيس 1994: جريمة موصوفة عجز القضاء اللبناني عن معالجتها

6 دقائق للقراءة

​بين الحين والآخر، يلمّح بعض السياسيين ورجال الدين إلى التراجع العددي للمسيحيين في لبنان في محاولة مكشوفة لقضم ما تبقّى من مناصب يشغلونها. وقد تناسى هؤلاء، عن معرفة أو عن جهل، أن السبب الرئيسي للاختلال الديموغرافي في لبنان يعود أساسًا إلى مرسوم التجنيس الشهير الذي صدر عام 1994 وملحقاته، والذي أدّى إلى اختلال كبير في التوازن الطائفي في البلد مع مرور الوقت. يُضاف إلى ذلك الحروب غير المدروسة والارتجالية التي شنّها العماد ميشال عون عام 1989، وسياسة القمع والملاحقات التي نفّذها الجهاز الأمني اللبناني-السوري في فترة التسعينيات ضد القوى السيادية، ما دفع بالآلاف من المسيحيين إلى مغادرة لبنان والهجرة إلى أستراليا وكندا وأمريكا وأوروبا، حيث أسّسوا حياة بات من الصعب عليهم وعلى ذريتهم العودة الدائمة إلى لبنان.


​في أي دولة تحترم سيادتها ومؤسساتها وهويتها الوطنية، تُعدّ الجنسية مرآة للانتماء الوطني، وتُمنح وفق شروط دقيقة تحفظ السيادة وتراعي التوازنات الديموغرافية. لكن في لبنان، تحوّلت الجنسية إلى أداة للتسييس والمقايضة، ومثاله الصارخ مرسوم التجنيس رقم 5247 الصادر في 20 حزيران 1994. هذا المرسوم، الذي منح الجنسية اللبنانية نظريًا لما يقارب 154 ألف شخص وفعليًا لعدد تجاوز 300 ألف شخص، لم يكن مجرد قرار إداري سيئ، بل جريمة موصوفة بحق الكيان اللبناني، طالتها اتهامات بالفوضى والتزوير والتغيير الديموغرافي المتعمّد.



​صدر المرسوم بقرار من رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، وبموافقة رئيس الحكومة رفيق الحريري، ووزير الداخلية ميشال المر، تحت ذريعة "لمّ الشمل" بعد الحرب الأهلية. لكن الوثائق والتقارير التي ظهرت لاحقًا بيّنت أن المرسوم لم يكن بريئًا، بل استُخدم لتوطين عشرات الآلاف ممن لا يحملون أي صلة شرعية بلبنان، ولا يقيمون فيه. معظم هؤلاء كانوا من الفلسطينيين والسوريين والأكراد والعراقيين بالإضافة لجنسيات غير عربية.



​شابت المرسوم مخالفات دستورية صريحة، أبرزها:

1- مخالفة المادة 1 من قانون الجنسية اللبنانية (الصادر عام 1925 والمعدّل لاحقًا)، والتي تشترط الإقامة المستمرة لفترة معينة وحيازة أوراق قانونية.

2- ​التجنيس بالجملة دون دراسة فردية للملفات، مما فتح الباب واسعًا أمام الفساد.

3- ​تغييب دور القضاء والإدارة العامة، وغياب الشفافية في نشر أسماء المجنّسين، ما أثار شكوكًا حول نزاهة العملية برمتها.

​كشفت التحقيقات اللاحقة أن آلاف الملفات كانت مشوبة بأخطاء وتزوير. ففي تقرير داخلي لوزارة الداخلية عام 1995، أشارت لجنة خاصة إلى أن "أكثر من 30% من المستندات إما ناقصة أو مزوّرة أو تحتوي على بيانات وهمية". وبحسب تصريح للنائب الراحل نصري المعلوف أمام المجلس النيابي عام 1996، فإن "هذا المرسوم هو الأسوأ في تاريخ الدولة اللبنانية، لأنه يحمل بذور انفجار سكاني-سياسي في المستقبل، ويضرب الميثاق الوطني في عمقه".



​في تشرين الأول 1995، تقدّم عدد من النواب، أبرزهم بطرس حرب، نسيب لحود، صلاح حنين، ونصري المعلوف، بطعن أمام مجلس شورى الدولة، طالبين إبطال المرسوم بسبب مخالفته لأصول منح الجنسية. ورغم وضوح العيوب القانونية، لم يُبتّ بالطعن حتى اليوم وظلّ الملف موقوفًا بسبب ما قيل إنه "حسابات طائفية" و"حسابات سياسية" و"ضغوط فوق القضاء"، لدرجة دفعت أحد القضاة السابقين في مجلس شورى الدولة، في مقابلة مع صحيفة النهار عام 2003، إلى الإعلان أن: "ملف مرسوم التجنيس كان يجب أن يُبطل منذ سنوات، لكن أحدًا لم يشأ فتح أبواب الحرب الطائفية مجددًا. كانت لدينا الأدلة، لكن لا أحد يجرؤ".


​كان للمرسوم تأثير عميق على التوازن الطائفي الدقيق في لبنان. فقد أظهرت تحقيقات صحفية لاحقة أن نسبة كبيرة من المجنّسين الفعليين كانوا من الطوائف الإسلامية، وأن بعض المجنسين على أنهم مسيحيون هم في الحقيقة مسلمون يحملون وثائق مزورة، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة من قوى مسيحية بشكل خاص. فقد أصدرت الرابطة المارونية عام 1996 بيانًا جاء فيه: "إن استمرار هذا الوضع يُهدّد الكيان اللبناني، ويضرب المناصفة، ويجب إعادة النظر بالمرسوم فورًا عبر القضاء". في المقابل، دافعت بعض القوى الإسلامية عن المرسوم معتبرة أن "من حق من عاش في لبنان وتحمل ويلات الحرب أن يُمنح الجنسية"، لكنها لم تنكر وجود ثغرات كبيرة في المرسوم.

​في العام 2003، صدر مرسوم عن الرئيس إميل لحود بسحب الجنسية من نحو 200 شخص، لكن هذا القرار كان مجرد عملية دعائية سياسية ولم يرتق ليلامس جذور المشكلة، وما عزّز الشكوك بأن المسألة مجرد دعاية سياسية هو عدم نشر كل الأسماء المسحوبة أو تبرير الأسباب.

​تكررت مشكلة التجنيس، وإن بشكل أصغر، في مرسوم التجنيس 2018، الذي وقّعه الرئيس ميشال عون ووزير الداخلية آنذاك نهاد المشنوق، وأثار زوبعة مشابهة، حيث تم تجنيس شخصيات من رجال الأعمال السوريين المقرّبين من نظام بشار الأسد، وشخصيات فلسطينية عليها العديد من علامات الاستفهام، دون أي دراسة شفافة.


​مرسوم التجنيس 1994 ليس مجرد "قرار إداري سيئ"، بل هو جريمة موصوفة ضد الكيان اللبناني. جريمة لم يجرؤ أي قاضٍ على معالجتها، ولا مؤسسة على تصويبها، بسبب منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح الشخصية والطائفية بالفساد المالي والإداري، وتمنع المحاسبة.



​ما لم تُفتح كل ملفات التجنيس وتُخضع للمراجعة القضائية الشفافة، فإن الهوية الوطنية ستبقى مهددة، ومعها مستقبل لبنان كوطن للعدالة والدستور. هل يمكن للبنان أن يتجاوز هذه الجريمة الموصوفة دون محاسبة حقيقية؟



بعد أن أعلن رئيس الجمهورية أن قرار حصر السلاح بالقوى الشرعية قد اتُّخذ ولا عودة عنه، وبدأ مجلس النواب بدراسة سبل حلّ معضلة الفساد المصرفي واسترداد أموال المودعين، يُطرح سؤال جوهري: هل سيتخذ رئيس الجمهورية، العماد جوزhف عون، في المستقبل القريب، قرارًا تاريخيًا يُوقف بموجبه مفاعيل مرسوم التجنيس، ويُحيله إلى لجنة قضائية مستقلة تتولى مراجعته بدقة، بغية منح شرف الجنسية اللبنانية فقط لمستحقيها، وتجريد كل من نالها بطرق ملتوية منها، صونًا للهوية الوطنية اللبنانية؟

إن الإقدام على هذه الخطوة، التي تَجنَّبها من سبقه في سدّة الرئاسة، سيكون بمثابة تصحيح لمسار طويل من الفوضى والتسيّب، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، ولثقة اللبنانيين بدولتهم ومؤسساتها.